مقاتل ابن عطية
329
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
فلما رأى من حال الحاضرين أمارة العصيان ؛ وشاهد منهم إثارة الفتنة وتهييج الشر ، خاف من أن يكون في الوصية وتأكيد التنصيص على من عيّنه اللّه للإمامة ، وجعله أولى الناس من أنفسهم في غدير خم ، أمارة على تعجيل الفتنة بين المسلمين ، وتفريق كلمتهم ، فيتسلط بذلك الكفّار وأهل الرّدة عليهم ، وينهدم أساس الإسلام ودعائم الإيمان ، وذلك لأن الراغبين في الإمامة والطامعين في الملك والخلافة قد علموا من مرضه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإخباره تصريحا وتلويحا في عدة مواقف بأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد دنا أجله ، ولا يبرأ من مرضه ، فوطّنوا أنفسهم لإلقاء الشبهة بين المسلمين بأنه لو كتب الكتاب وأكّد الوصيّة بأنه على وجه الهجر والهذيان ، فيصدّقهم الذين في قلوبهم مرض ، ويكذّبهم المؤمنون بأن كلامه ليس إلا وحيا يوحى ، فتقوم فيهم المحاربة والقتال وينتهي الحال إلى استئصال أهل الإيمان وظهور أهل الشرك والطغيان ، فاكتفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بنصّه يوم الغدير وغيره . وقد بلّغ الحكم وأدّى رسالة ربه كما أمره بقوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ « 1 » فلم يكن في ترك الكتابة تقصير في التبليغ والرسالة ، وإنما منعت طائفة من الأمة لشقاوتهم ذلك الفضل ، وسدّوا باب الرحمة ، فضلّوا عن سواء الصراط وأضلّوا كثيرا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ « 2 » . 2 - إن القوم لم يتركوا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مجالا كي يكتب تلك الوصية ، ويشهد له ما رواه ابن عبّاس من أن الرزية كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه وبين الكتابة . فهناك من حال ومنع من كتابة الكتاب ، والمانع هو عمر بن الخطّاب وجماعته ، حيث سيطروا على الموقف لعلمهم أن أمير المؤمنين لن يدافعهم لكونه
--> ( 1 ) سورة المائدة : 67 . ( 2 ) سورة الشعراء : 227 .