مقاتل ابن عطية
326
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
شبهات وردود الشبهة الأولى : المراد من الهجر هو الإنكار على من قال : [ لا تكتبوا أي لا تتركوا أمر رسول اللّه وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه . . وكذا قول عمر « رض » : حسبنا كتاب اللّه رد على من نازعه لا على أمر النبيّ صلّى اللّه عليه ] « 1 » . أو يحمل قول عمر بن الخطاب « اهجر » « أيهجر » على الدهشة والحيرة لعظم ما شاهد من حال الرسول وشدة وجعه ، فأجري الهجر مجرى شدة الوجع ، لا أنه اعتقد جواز الهجر عليه بمعنى الهذيان أو الغلط . أورد هذه الشبهة العيّاض المالكي في كتابه الشفاء . والجواب : أولا : ما تأوّله القاضي عيّاض ليس إلّا تمحّلا واضحا بحاجة إلى قرينة صارفة وهي مفقودة هنا ، بل دلت القرائن الخارجية على أن عمر هو القائل لا غيره ، منها تخلّفهم عن جيش أسامة وقد لعنهم الرسول بسبب ذلك ، ومنها ظلمهم للصدّيقة الطاهرة من أجل الاستيلاء على الخلافة ، كل ذلك يشير إلى أن القائل هو عمر ، ولو كان سواه لوجب على عمر أن يلبّي أمر رسول اللّه بإحضار الدواة والكتف ليكتب النبيّ ما أراده ، فعدم إحضاره للدواة أو عدم استنكاره - على أقل تقدير - على من حال بين النبيّ وبين كتابة الكتاب يستلزم القول بتفرده بتلك المقالة القبيحة تشكيكا برسول اللّه وبما سيئول إليه الكتاب ، ولو لم يكن هو القائل - أي عمر - لكان أحضر الكتاب ليفضح من استنكر على رسول اللّه أمره بإحضار الدواة . ثانيا : سواء حملنا « الهجر » على الدهشة والحيرة من قائله أو على نحو الاستفهام فإن المعنى واحد وهو نسبة الهذيان ، وقد اعترف بذلك ابن حجر مع
--> ( 1 ) شرح النّووي على صحيح مسلم ج 11 / 78 .