مقاتل ابن عطية
324
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
بدينه منهما ، وصدق عزّ وجلّ حيث قال : قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 1 » . وأما المشقة البالغة التي تعدّ في العرف حرجا وضيقا وإن كان دون الطاقة ، فقد نفاه اللّه تعالى بقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » . وعن مولانا الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « إن اللّه تبارك وتعالى أعطى محمدا شرائع نوح . . والفطرة الحنيفية السمحة » « 3 » ولا بدّ لكل عاقل أن يسأل ؛ كيف فهم عمر بن الخطاب من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي » أنه أراد أن يكتب لهم ما يعجزون عن القيام به ؟ ! وأي ملازمة بين هذا الاعتذار وبين قوله « أنه قد غلبه الوجع » أو أنه ليهجر ؟ ! ! وهل يجوّز عاقل أن ينطق بمثل هذا الكلام في مقام تصويب رأي من وصفه اللّه سبحانه بالخلق العظيم ، وبعثه رحمة للعالمين ؟ ! وأما ما ذكره من أن عمر علم أنه تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة لقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فيرد عليه أيضا : أنه لو كان المراد بكمال الدين ما فهمه عمر للزم استغناء الناس عن الرسول ، وعدم احتياجهم إليه بعد نزول الآية في حكم من الأحكام ، ومفاد الآية تماما كوصيته ( عليه وآله أفضل التحية والسلام ) بالتمسك بالكتاب والعترة ، حيث لا دلالة فيه على أنه لم يبق أمر مهم للأمة أصلا حتى تكون الكتابة التي أرادها النبيّ لغوا وعبثا ، ويصح منعه عنها ، وقد كان المراد من الكتابة تأكيد الأمر باتّباع الكتاب والعترة الطاهرة الحافظة له ، والعالمة بما فيه على وجهه ، خوفا من ترك الأمة الاعتصام بهما ، فيتورّطون في أودية الهلاك ، ويضلوا كما فعل كثير منهم وضلوا عن سواء السبيل .
--> ( 1 ) سورة الحجرات : 16 . ( 2 ) سورة البقرة : 185 . ( 3 ) أصول الكافي ج 2 / 17 ح 1 .