مقاتل ابن عطية
31
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
لكنه غادر الدنيا قبل أن يكمل إبلاغ رسالته ، لقد عاش وقضى كما يعيش الأنبياء في بلدان ليست ببلادهم ويحيون في زمان غير زمانهم ، لكنّ للّه حكمته ، فهو الأعلم بمصالح البشر والخبير بشئونهم . لقد رحل مولاي علي روحي فداه عن الدنيا شهيد عظمته وعدالته ، وأغمض عينيه وشفتاه ترتلان ذكر اللّه عز وجل ، وقلبه قد اشتعل بحب اللّه تعالى والشوق إلى لقائه . إن شموخ المرتضى عليه السّلام بين منحدرات هبطت بعيد أيامه ، وتشققت بها الأرض حتى ما يبين لها قعر ، شموخ في الفكر والقلب ، خليق بنا أن ننظر إليه كما ننظر إلى كل قمة في تاريخ الإنسانية الواحد . وما ضيّق على الإنسان آفاقه في القديم والحاضر إلّا ما ارتضاه لنفسه من حدود شادها الضلال وركّزتها العادة ، وشمخ بها التاريخ جيلا بعد جيل . وما عطّل على بصيرة المرء رؤية الرحاب الرحبة والمسافات البعيدة والقمم الشاهقة إلّا غيوم ثقيلات حيث يتنفس الجهل من خلالها فتتراكم وتزدحم وتطغى وتسوّد ، ولطالما ضاقت هذه الحدود في أكثر عهود التاريخ ، فعطلت مواهب الإنسان التي أوتيها لاكتشاف ينابيع الخير وراء الحدود ، ولطالما طغت هذه الغيوم وتجهّمت فمنعت عن الإنسان أن يسبح في اللّج ويشتد جريا في مناكب الأرض . أما ينابيع الخير هذه ، وأما السماء واللّج ومناكب الأرض وما تحوي ، فما هي في كثيرها إلّا أكفّ العظماء الحقيقيين الذين مرّوا في هذه الأرض مرور الغمام الخيّر فوق الصحارى البيد ! غمام يمرّ كالأمل المشرق في عتمة اليأس . وتهطل في جنبات الصحارى هطول الحياة في جفاف اليبس ، ثم تمضي وهي تاركة وراءها الخضرة والنضرة والرواء والسقيا لقوم جياع عطاش ! لقد طويت صفحات التاريخ السود ، وبكت على نفسها تلك الضلالات والغباوات التي حدّت الإنسان بطرا وبصيرة ، وضيّقت على العظماء