مقاتل ابن عطية
239
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
تعالى حالت دون جبروت المحرّفين فأبقت على عبارة اللعن في كتاب الملل والنحل للشهرستاني ، قال عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النبي ، الخلاف الثاني أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : جهّزوا جيش أسامة لعن اللّه من تخلّف عن جيش أسامة ، وقال قوم : يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة ، وقال قوم : قد اشتد مرض النبيّ فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره » « 1 » فعدم خروجهم مع أسامة وتخلّفهم عنه مما لا نزاع فيه أصلا ، وأما دعوى أن تخلّفهم إنما كان لأجل محبتهم لرسول اللّه فلم تسع قلوبهم مفارقته ، هذه الدعوى مردودة لأن محبّة النبيّ تعني إطاعته فيما يأمر وينهى قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 2 » وهذا تماما كعدم امتثالهم لأمره بإحضار الدواة والكتف ، وهل أن عدم إحضارهم لما أمرهم به النبيّ كان أيضا محبة منهم له ؟ ! ! فتخلّفهم وعدم خروجهم يعتبر قدحا في خلافتهم لكونهم مأمورين بالانقياد لأسامة ، فما لم يمتثلوا لم يتم غرض الرسول في إنفاذ الجيش ، فلم يكن لأبي بكر الحكم على أسامة ، والخلافة رئاسة عامة تتضمن الحكم على الأمة كافة بالاتفاق فبطلت خلافة أبي بكر ، وإذا بطلت خلافته ثبت بطلان خلافة عمر ، لكونها بنص أبي بكر ، وبطلت خلافة عثمان لابتنائها على الشورى بأمر عمر ، هذا مضافا إلى أن عدم الانقياد لأمره بعد تكريره الأمر إيذاء له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد قال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ « 3 » وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 4 » . فتثاقلهم عن السير ثم تخلّفهم عن الجيش أخيرا من أجل أن يحكموا قواعد
--> ( 1 ) الملل والنحل للشهرستاني ص 23 . ( 2 ) سورة آل عمران : 31 . ( 3 ) سورة الأحزاب : 57 . ( 4 ) سورة التوبة : 61 .