مقاتل ابن عطية
186
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
فليكن - على أقل تقدير - أعظم سياسي في العالم كله لا أعظم منه ، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر ولا يضع له حدّا فاصلا ؟ ! وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شؤون بلده فضلا عن أمة أن يتركها تحت رحمة الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود وهو قادر على إصلاحها ، أو التنويه عن إصلاحها إلّا أن يكون مسلوبا من كل رحمة وإنسانية ؟ حاشا نبينا وسيّدنا محمّد العظيم من جاء رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الأخلاق وخاتما للنبيين ! وقد قال اللّه تعالى منوّها بكمال الرسالة وتمامها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً « 1 » وقد وجدناه نفسه لا يترك المدينة المنوّرة ، إذا خرج لحرب أو غزاة من غير أمير يخلفه عليها ، فكيف نصدّق عنه أنه أهمل أمر هذه الأمة العظيمة بعده إلى آخر الدهر من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده ! سادسا : كيف يعقل أن ينسب للنبي الكريم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تفويض أمر تعيين الخليفة إلى الأمة المتمثلة بأهل الحل والعقد ، وقد حدّثنا التاريخ أن أهل الحل والعقد أو ما يعبّر عنهم بكبار الأمة ، هم بؤرة الخلاف والنزاع . وهكذا على مر العصور كانت الطبقة الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس لا ينفكون عن تحيزات فيهم أعظم منها في غيرهم ، ويندر أن يتجردوا عن أهوائهم النفسية ، وأغراضهم الشخصية ، تجعل كل فرد يشرئب إلى هذا المنصب أو ذاك ، فهل أمر كهذا مع أهميته وخطورته يوكل إلى من وصفنا ، وهل يعقل أن أبا بكر تفطن إلى سوء عواقب هذا التشريع دون النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ ! ! فأسرع أبو بكر وأخوه عمر إلى تعيين الخليفة من بعدهما ، فعيّن الأول أخاه عمر بوصية كتبها بخط عثمان ، وعيّن الثاني عثمان بطريقة اخترعها
--> ( 1 ) سورة المائدة : 3 .