مقاتل ابن عطية

169

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

المصاحف ثم نردّها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هاشم ، فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة . . » « 1 » . وكان منهج عثمان في ترتيب المصحف مقتصرا كما قلنا على توحيد القراءات ، وتقديم السور الطوال على القصار ، وهو مغاير نوعا ما لترتيب مصاحف سائر الصحابة ، والدليل عليه ما فعله عثمان من وضع الأنفال وبراءة بين الأعراف ويونس وقد كانتا في الجمع الأول متأخرتين ، الأمر الذي أثار ابن عبّاس ليعترض على عثمان قائلا : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني « 2 » ، وإلى براءة هي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ؟ ! قال عثمان : كان رسول اللّه تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ولم يبيّن لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال « 3 » . وهذا يدل على اجتهاد الصحابة في ترتيب سور المصحف ، فكان عثمان يعرف أن آيات من سور ربما كان يتأخر نزولها فيأمر النبي أن توضع موضعها من

--> ( 1 ) صحيح البخاري ج 6 / 416 ح 4987 . ( 2 ) في مصحف ابن مسعود جعلها من المثاني ، وفي مصحف أبي بن كعب هي من المئين . ( 3 ) التمهيد ج 1 / 303 نقلا عن مستدرك الحاكم ج 2 / 221 ومجمع البيان ج 5 / 4 .