سيف الدين الآمدي

35

أبكار الأفكار في أصول الدين

وعند هذا : فيجب حمل الآية على الفسق الكامل ، جمعا بينه ، وبين ما ذكرناه من الأدلة ، ويكون تقدير الآية : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ « 1 » بالفسق الكامل ، وما ذكروه من الخبر ؛ فقد قال علماء الأخبار : إنما ورد في المنافقين في زمن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ويجب الحمل عليه جمعا بينه ، وبين ما ذكرناه من الأدلّة . قولهم : إنّ من وقر الإيمان في صدره ، لا يكون منهمكا على فعل المعاصي - ليس كذلك ؛ فإنّه لا يبعد ممّن وقر الإيمان في صدره ، وعلم أنّ عذاب لحظة من الآخرة يزيد على نعيم الدنيا ، أن يقدم على المعصية اغترارا منه بما يتوقعه من كرم ربه ، وعفوه وصفحه عنه وإقلاعه عن المعصية بالتوبة ، والإنابة إلى الله - تعالى - على ما هو معلوم من حال كل عاص من المؤمنين ؛ ويدل عليه : فعل الصغائر ؛ فإنها وان دلت على مخالفة أمر الله - تعالى - ونهيه ، وتقديم اللّذات العاجلة على طاعة الله تعالى ، فلا تدل على أنّ فاعلها ليس بمؤمن بالإجماع ، وليس ذلك إلا لما ذكرناه في فعل الكبيرة ، كيف . . ؟ وأن اسم النفاق مخصوص لمستبطن الكفر ، ومظهر ضدّه باجماع المسلمين ، وهو مشتق من النّافقاء « 2 » ، وهو جحر من جحر اليربوع في الأرض ، قد أعدّه للخروج منه إذا أتى عليه من الحجرة الظّاهرة ، ومرتكب الكبيرة ، غير مستبطن للكفر ولا معتقد لنقيض الحقّ ؛ فلا يكون منافقا . فإن قيل : قد روى عن عمر - رضي الله عنه - انه سأل حذيفة بن اليمان « 3 » لما عرفه رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - المنافقين وأسماءهم ، وقال له : هل عدنى رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - في المنافقين ولو كان النفاق عبارة عن استبطان الكفر ؛ فعمر - رضي الله عنه - كان يعلم من نفسه أنّه لم يكن مستبطنا للكفر ، فكيف تشكّك في نفسه ؟ قلنا : إنما سأل عن ذلك نظرا إلى المآل ، وخاتمة العمل علي ما جرت به العادة من وجل الأولياء / والصالحين من سوء العاقبة ، وما جرى به القلم في السابقة ، امّا أن يكون ذلك لتشككه في حال نفسه ، في الحالة الرّاهنة ؛ فلا .

--> ( 1 ) سورة التوبة 9 / 67 . ( 2 ) ( المنافق ) من يخفى الكفر ، ويظهر الإيمان ومن يضمر العداوة ويظهر الصداقة . ( النافقاء ) احدى جحرة اليربوع يكتمها ، ويظهر غيرها . وهو أصل النفاق . [ المعجم الوسيط - باب النون ] ( 3 ) هو أبو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي - كان صاحب سرّ رسول الله في المنافقين أعلمه بهم ، ولم يعرفهم لأحد غيره توفى سنة 36 ه ( تهذيب التهذيب لابن حجر 2 / 219 )