سيف الدين الآمدي
212
أبكار الأفكار في أصول الدين
أقبل عليه في عسكره ، ورأى أمارات الضعف : « اختاروا منى : إما الرجوع إلى المكان الّذي أقبلت منه ، أو أن أضع يدي في يد يزيد ليرى فىّ رأيه ، وإما أن تسيروا بي إلى ثغر من ثغور المسلمين ؛ فأكون رجلا من أهله لي ما لهم ، وعليّ ما عليهم » « 1 » . وإن عمر بن سعد كتب بذلك إلى عبيد اللّه بن زياد ؛ فأتاه ، وأمره بالمناجزة له ، فلما آل الأمر إلى ما آل من ضعف الحسين ، وشيعته وإحاطة الأعداء بهم ، امتنع من النزول على أمان عبيد الله بن زياد ؛ لأنه ظهر له من قرائن أحواله ، وبما تقدم منه من عدم إجابته للأمان قبل انتهاء الأمر إلى ما انتهى إليه أمر الحسين من شدة الضعف ، وظهور الظفر به ، أن قصده من ذلك أن يجمع له بين الذل بالنزول على حكمه ، وقتله ، وأن نزوله على حكمه ، ممّا لا يعصمه من القتل بعد ذلك ؛ فاختار التزام القتل دفعا للجمع بينه ، وبين النزول على حكم عبيد اللّه بن زياد . وأما الإلزام الرابع : فغير لازم أيضا ، فإن اختفاء القائم المهدى - عليه السلام ، إنما هو للمخافة من أعدائه على نفسه . قولكم : فهذا وإن أوجب الاستتار عن الأعداء ، فغير موجب للاستتار عن شيعته . قلنا : لا نسلم أنه مستور عن شيعته الذين لا يخشى من جهتهم شيئا ، وما « 11 » / / المانع من ظهوره لهم ، دون غيرهم ، وإنما لم يظهر لمن لم يخش منه ، إشاعة خبره ، وتحدثه عنه بما يؤدى إلى مخافته . قولكم : فلا فائدة في إبقائه . قلنا : الفائدة في إبقائه رجاء ظهوره عند زوال المخافة . قولكم : ليس ذلك أولى من عدمه ، وإيجاده عند زوال المخافة . لا نسلم ذلك . والفرق بينهما ، أنه إذا غيّب شخصه ، للمخافة منهم ، كان ما يفوتهم من المصالح لازما لهم من إخافتهم له ، وإلجائهم له إلى الاستتار ؛ فتكون العهدة في ذلك لازمة لهم ، والحجة مركبة عليهم ، وإذا أعدمه اللّه - تعالى - كان ما يفوتهم من المصالح لازما من فعل اللّه - تعالى - ومنسوبا إليه ؛ فلا تكون العهدة في ذلك لازمة لهم ؛ بل للّه - تعالى - وهو يتعالى ، ويتقدس عن فعل القبيح .
--> ( 1 ) انظر هذه الرواية في تاريخ الطبري 5 / 413 ، أنساب الأشراف 3 / 182 . ( 11 ) / / أول ل 167 / ب من النسخة ب .