سيف الدين الآمدي

19

أبكار الأفكار في أصول الدين

وإن سلمنا أنه مأخوذ من الإيمان ، غير أنّه يجب حمله على الإيمان ؛ بمعنى التّصديق ؛ لما فيه من موافقة الوضع اللّغوى ، وأن يحمل قوله : « لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن » . على حالة الاستحلال لزناه ، ويكون تقديره - لا يزنى الزاني حين يزنى مستحلا لزناه وهو مؤمن - أي مصدق ويمكن أن يكون المراد من قوله : « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » أي على صفات المؤمن ، من اجتناب المحظورات ، وهو وإن لزم منه التأويل ، غير أنا لو لم نحمله على ذلك ؛ للزم منه حمل الإيمان على غير موضوعه اللغوي . ولا يخفى أن تأويل الظّواهر أولى من مخالفته الأوضاع اللّغوية لوجهين : الأول : أن تأويل الظّواهر متفق عليه ، بخلاف مخالفة الأوضاع ، ومخالفة ما اتفق على جواز مخالفته ، أولى من مخالفة ما لم يتفق على مخالفته . الثاني : أن مخالفة الظواهر في الشّرع ، أكثر من مخالفة الأوضاع اللّغوية عند القائلين بمخالفة الأوضاع ، فإن أكثر الظواهر مخالفة ، وأكثر الأوضاع مقرّرة ؛ وذلك يدل على أن المحذور في مخالفة الأوضاع أعظم منه في مخالفة الظواهر ؛ فكانت مخالفة الظواهر أولى . وعلى هذا يجب حمل قوله عليه السلام : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا ، وإن شاء نصرانيا » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر » « 2 » على حالة الاستحلال ، وإنكار الوجوب ؛ لما ذكرناه من الترجيح . قولهم : لو كان الإيمان هو التصديق ؛ لما كان من قتل نبيا ، أو استخف به ، أو سجد / بين يدي صنم كافرا - إذا كان مصدّقا . قلنا : نحن لا ننكر جواز مجامعة هذه الكبائر مع الإيمان عقلا ، غير أن الأمّة مجمعة على تكفيره ؛ فعلمنا انتفاء التّصديق عند وجود هذه الكبائر سمعا ، ويجب أن يقال بذلك جمعا بين العمل بوضع اللّغة ، وإجماع الأمّة على التّكفير ؛ وهو أولى من إبطال أحدهما . قولهم : فعل الواجبات هو الدّين - لا نسلم ذلك ؛ بل الدّين هو التصديق بالواجبات ، وقوله - تعالى - وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ « 3 » . ليس فيه ما يدلّ على أنّ إقامة

--> ( 1 ) تم تخريج هذا الحديث في هامش ل 237 / ب ( 2 ) سبق تخريج هذا الحديث في هامش ل 237 / ب . ( 3 ) سورة البينة 98 / 5 .