سيف الدين الآمدي

185

أبكار الأفكار في أصول الدين

وإنما قلنا بامتناع الثاني ؛ لأنه يلزم منه أن يكون عليّ إماما في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أن يكون ذلك مقيّدا بما بعد موته ، وكل واحد منهما خلاف الظاهر ؛ لما سبق . وقوله عليه السلام لعلىّ : « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » « 1 » ، لا يصح الاستدلال به أيضا من جهة السند ، كما تقدم في الخبر الّذي قبله . وإن سلمنا صحة سنده قطعا ؛ لكن لا نسلم أن قوله : « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » تعم كل منزلة كانت لهارون من موسى ؛ فإنّ من جملة منازل هارون من موسى أنه كان أخا له من النسب ، وأنه كان شريكا له في النبوة ؛ ولم يثبت ذلك لعلى - رضي الله عنه « 2 » . قولهم : منزلة اسم جنس ، يصلح لكل المنازل ، ولكل واحد واحد ؛ لا نسلم أن اسم الجنس إذا عرّى عما يوجب التعميم فيه كدخول الألف ، واللام عليه ، كقولنا : المنزلة ، أو دخول حرف النفي عليه ، كقولنا : لا منزلة أنه يعم كل منزلة ؛ بل هو من قبيل الأسماء المطلقة الصالحة لكل واحد ، واحد من الجنس على طريق البدل ، لا أن يكون متناولا للكل على طريق الاستغراق معا ، وإلّا لما بقي بين المطلق ، والعام فرق « 3 » ، وأن يكون قولنا : رجل بمنزلة قولنا : الرجل ؛ وهو محمل مخالف لإجماع أهل اللغة . سلمنا أن [ لفظ ] « 4 » الجنس صالح للعموم ، والآحاد ؛ لكن بطريق العموم ، أو الاشتراك ؟ الأول : ممنوع ، والثاني : مسلم ؛ ولهذا فإنه يحسن الاستفسار وهو أن يقال : في كل المنازل ، أو في بعضها ؟ وهو دليل الاشتراك « 5 » . قولهم : لو حملناه على بعض المنازل دون البعض : فإما أن يكون ذلك البعض معيّنا ، أو مبهما .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 5 / 24 « قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لعلى : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى » . كما ورد في صحيح مسلم 7 / 120 . ( 2 ) قارن بالمغنى 20 / 158 ، وشرح المواقف - الموقف السادس ص 310 . ( 3 ) قارن بإحكام الأحكام للآمدى 1 / 40 - 42 . ( 4 ) ساقط من « أ » . ( 5 ) قارن بما ورد في إحكام الأحكام للآمدى 1 / 21 - 24 .