سيف الدين الآمدي
124
أبكار الأفكار في أصول الدين
وأحكام الجهاد ، وإظهار شعائر الإسلام في أيام الجمع ، والأعياد ، إنّما كان لمصالح الخلق ، والأغراض عائدة إليهم ، معاشا ومعادا ، وذلك مما لا يتم دون إمام مطاع ، وخليفة متّبع ، يكون من قبل الشارع بحيث يفوضون أزمتهم ، في جميع أمورهم إليه ، ويعتمدون في جميع أحوالهم عليه . فإنهم بأنفسهم مع ما هم عليه من اختلاف الأهواء ، وتشتّت الآراء ، وما بينهم من العداوة ، والشحناء ، قلّما ينقاد بعضهم لبعض ، وربما أدّى ذلك إلى هلاكهم جميعا « 1 » . ويشهد بذلك وقوع الفتن ، واختلاف الأمم ، عند موت ولاة الأمر ، من الأئمة إلى حين نصب إمام آخر ، بحيث لو « 11 » / / تمادى الحال ، في إقامته لكثرت الاختلافات ، وبطلت المعيشات ، وعظم الفساد في العباد ، وصار كلّ مشغولا بحفظ نفسه ، وماله تحت قائم سيف / وذلك مما يفضى إلى رفع الدين ، وهلاك الناس أجمعين ، ومنه قيل « الدين اس والسلطان حارس ، والدين والسلطان توأمان » ، فإذن نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين ، وأعظم مقاصد الدين ، وهو حكمة الإيجاب السمعي « 2 » . فإن قيل : لا نسلم تصوّر انعقاد الإجماع ، وإن سلّمنا ذلك ، ولكن لا نسلّم أنّ الإجماع حجة ، ولا نسلّم صحّة التّواتر ، وتقرير كل واحد مما سبق في قاعدتى النظر ، والنبوات « 3 » . وإن سلمنا أن الإجماع حجة ، وأن التواتر يفيد العلم ؛ ولكن لا نسلم وجود الإجماع فيما نحن فيه ، وما المانع أن يكون ثمّ نكير ، وأن الموافقة لم تتحقق إلّا من آحاد المسلمين « 4 » . والّذي يدل على ذلك ، قول عمر - رضي الله عنه - « ألا إن بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى اللّه شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه » « 5 » ؛ أي بايعت أبا بكر من غير مشورة ؛ وقى اللّه شرها ؛ فلا نعود إلى مثلها .
--> ( 1 ) قارن ما ورد هاهنا بما ورد في غاية المرام ص 366 ، وشرح المواقف - الموقف السادس ص 279 وما بعدها . وانظر أصول الدين ص 271 ، ونهاية الأقدام ص 478 ، والأربعين للرازي ص 428 . ( 11 ) / / أول ل 151 / ب . ( 2 ) قارن بغاية المرام ص 366 ، ونهاية الأقدام ص 478 . ( 3 ) قاعدة النظر : هي القاعدة الثانية : انظر ما سبق في الجزء الأول - ل 15 / ب وما بعدها . أما النبوات : في القاعدة الخامسة . انظر ما سبق في الجزء الثاني - ل 138 / أ . وما بعدها . ( 4 ) انظر هذا الاعتراض والرد عليه أيضا في الإحكام في أصول الأحكام للآمدى 1 / 199 وما بعدها . ( 5 ) في صحيح البخاري 8 / 210 قريب من هذا النص .