سيف الدين الآمدي
103
أبكار الأفكار في أصول الدين
قولهم : من أعتقد كون الجسم إلها ؛ فقد اعتقد غير الله إلها ، ومن اعتقد غير الله إلها ؛ فقد كفر لقوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ « 1 » . قلنا : أمكن أن يكون تكفير من اعتقد كون المسيح إلها ؛ لكونه جسما كالأجسام وذلك غير متحقق فيما نحن فيه ؛ فلا يلزم التكفير . فإن قيل : قولكم : لو توقفت أصول الدين على معرفة هذه المسائل ؛ لوجب على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - المطالبة به ، والبحث عنه كما في الشهادتين ؛ فلا نسلم أنه لم يكن مطالبا بها ؛ فإنا نعلم أنه كان يطالب الناس بمعرفة ما في كتاب الله ، وسنة رسوله والكتاب والسنة مشتملان على آحاد هذه المسائل ، ولهذا وجدنا كل واحد من أرباب المقالات محتجا في نصرة ما يراه بكثير من آي الكتاب ، والأخبار . وإن سلمنا أنه لم يطالبهم بذلك ، ولم يبحث عنه ؛ ولكن لا يدل ذلك على عدم توقف أصل الدين عليه ، ولهذا فإنه لم ينقل عنه أنه باحثهم في حدوث العالم ، ووجود الصانع ، ودلالة المعجزة على صدق الرسول ؛ مع أنه لا يصح أصل الدين دون معرفة هذه الأمور . ثم وإن سلمنا أن آحاد هذه المسائل مما لا يتوقف عليها أصل الدين ؛ فلا خلاف أن أصل الدين متوقف على معرفة وجود الصانع ، ووحدانيته ، ومعرفة الرسول ، ودلالة المعجزة على صدقه . وما ذكرتموه من كون العبد غير فاعل لأفعاله ، ومن إثبات الصفات مما يفضى إلى الإخلال بمعرفة هذه الأصول ، فالقائل بكون العبد غير فاعل ، وبإثبات الصفات ؛ فيكون كافرا ؛ فأنتم كفار . وبيان ذلك هو أن من قال العبد غير خالق لأفعاله ؛ فإنه يلزمه من ذلك سد باب إثبات الصانع ، ومعرفة صدق الرسول . أما الأول : فلأن الطريق في معرفة إثبات الصانع ، واحتياج العالم في حدوثه إلى الفاعل ؛ إنما هو قياسه على حاجة أفعالنا إلينا في حدوثها ، فمن أنكر كون العبد فاعلا لأفعاله ؛ فقد سد باب إثبات الصانع .
--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 72 .