سيف الدين الآمدي

96

أبكار الأفكار في أصول الدين

الخامس : ما اشتهر من إنكار ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن مع ديانته ، واتفاق الصحابة على تعظيمه ، وعلوّ مرتبته ، وبقي على ذلك مستمرا إلى زمان عثمان ، ولم يبدّعه أحد من الصّحابة ، ولا كفّره . ولو كانت متواترة لبدّعوه وكفّروه ، وإذا لم تكن الفاتحة ، والمعوّذتان من القرآن ، مع شهرتها فما ظنّك بما سواها « 1 » . سلمنا أن القرآن وآحاد آياته منقول عنه بالتواتر ولكن يحتمل أنه كان يحفظه عن غيره . وسمعه منه ، ولم يظهر عليه أحد / سواه ، ومع هذا الاحتمال ؛ فلا يكون ظهوره على يده دلالة على صدقه « 2 » . سلمنا أن الهيئة الاجتماعية لم توجد من غيره ؛ ولكن لا نسلم أنّ آحاد الآيات ومفردات الكلمات التي منها تأليفه لم يصدر إلا عنه « 3 » لجواز أن يكون مع طول مدته قد انتسخها من كتب المتقدمين وأساطير الأولين ، وما كان يسمعه من الفصحاء ، والبلغاء في زمانه من الألفاظ الرائقة ، والكلمات الجزلة . وألّف بعضها إلى بعض ولهذا فإنه لما أملى قوله - تعالى : - فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا « 11 » / / الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال الكاتب : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 4 » فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتب فهكذا انزل فارتدّ هذا الكاتب ، ولم يكن ارتداده إلا لأنه خطر له هذا الاحتمال . سلمنا أنه لم يظهر القرآن ، ولا آحاد آياته إلا عنه - صلى الله عليه وسلم - ولكن لا نسلم إمكان الاستدلال به على صدقه « 5 » ؛ وذلك لأنّ القرآن قد يطلق بمعنى المقروء . وقد يطلق بمعنى القراءة . فإن كان المقروء وهو المعجز ؛ فهو عندكم صفة قديمة قائمة

--> ( 1 ) وللرد على هذه الشبهة قال الآمدي : « أنكر كون الفاتحة والمعوذتين أن تكون منزلة على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أو أن حكمها ليس حكم القرآن ؟ الأول : ممنوع ، والثاني : مسلم ، ولا يلزم من ذلك خروجها عن كونها متواترة ، وأنها داخلة في المعجزة » . ( 2 ) وقد رد الآمدي على هذه الشبهة فقال : « هذا ممتنع ؛ لأن القرآن من أوله إلى آخره مشتمل على ذكر وقائع ، وأحوال جرت له ، ولصحابته معه ، ووقعت على وفق ما أخبر به : أما قبل خبره ، أو بعده » . تابع بقية رد الآمدي على هذه الشبهة ل 161 / أو ما بعدها . ( 3 ) وقد رد الآمدي على هذه الشبهة فيما يلي ل 161 / ب . ( 11 ) / / أول ل 83 / ب . ( 4 ) سورة المؤمنون : 23 / 14 . ( 5 ) وقد رد الآمدي على هذه الشبهة : « بأن المعجز ليس هو المقروء ، وهو الصفة القديمة ؛ بل المعجز إنما هو العبارات الدالة على المعنى القديم » ل 161 / ب ، 162 / أ .