سيف الدين الآمدي
67
أبكار الأفكار في أصول الدين
الأصل الرابع في إثبات رسالة محمّد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ومن ثبتت نبوّته ، واشتهرت رسالته بالمعجزات ، والآيات القاطعات كموسى ، وعيسى ، وغيرهما ممّا تواترت به الأخبار بما ظهر على أيديهم كفلق البحر « 2 » ، وقلب العصا حيّة ، وإحياء الميّت ، وإبراء الأكمه ، والأبرص « 3 » وغير ذلك كثير . غير أنا نقتصر من ذلك على إثبات رسالة سيد الأولين والآخرين محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله أجمعين - إذ الطوائف على إنكار بعثته متفقون ، وفي مآخذهم مختلفون ؛ فرب من أنكر رسالته لانكار جواز البعثة كما سبق « 4 » ، ورب من أنكرها لمجرد القدح في معجزاته والطعن في آياته : كالنّصارى ، وغيرهم من المعترفين بجواز نسخ الشرائع وبعثة الرسل . ورب من أنكر رسالته لاعتقاده إحالة نسخ الشرائع : كبعض اليهود لكن منهم من أحال ذلك عقلا كالشمعنية « 5 » : ومنهم من جوزه عقلا وأحاله شرعا : كالعنانية « 6 » . ولم يوافق
--> ( 1 ) لمزيد من البحث والدراسة سأذكر فيما يلي بعض كتب المتقدمين التي استفاد منها الآمدي وناقشها ، وبعض كتب المتأخرين التي تأثرت به واستفادت منه وناقشته . التمهيد للباقلاني ص 114 وما بعدها . والإنصاف له أيضا ص 62 وما بعدها . والإرشاد للجويني ص 338 وما بعدها . وأصول الدين للبغدادي ص 161 وما بعدها . وغاية المرام في علم الكلام للآمدى ص 341 وما بعدها . وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 576 وما بعدها . والمغنى في أبواب التوحيد والعدل له أيضا . الجزء الخامس عشر : التنبؤات والمعجزات . وتثبيت دلائل النبوة له أيضا . ومن كتب المتأخرين عن الآمدي المتأثرين به : شرح المواقف للإيجي - الموقف السادس - ص 94 وما بعدها . وشرح المقاصد للتفتازانى 2 / 134 وما بعدها . وشرح مطالع الأنظار للأصفهاني ص 204 وما بعدها . ( 2 ) من معجزات سيدنا موسى - عليه السلام - فلق البحر ، وقلب العصا حية . ( 3 ) من معجزات سيدنا عيسى - عليه السلام - إحياء الميت ، وإبراء الأكمه والأبرص . ( 4 ) هم : البراهمة ، والصابئية ، والتناسخية . انظر عنهم ما مر في الأصل الثالث ل 133 / ب وما بعدها من الجزء الأول . ( 5 ) الشمعنية : أحالت الشمعنية نسخ الشرائع ، وتبدل الذرائع عقلا ، وهم الربانية وسماهم ابن حزم الأشعثية ، وهم القائلون بأقوال الأحبار ومذاهبهم ، وهم جمهور اليهود . يدعون أن الشريعة بدأت بموسى وانتهت به ولا يجوز نسخها ؛ لأن النسخ بداء ، ولا يجوز البداء على الله تعالى . [ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 1 / 178 ، والملل والنحل للشهرستاني 1 / 210 وما بعدها ] . ( 6 ) العنانية : هم أصحاب عنان بن داود ، رأس الجالوت . يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد ، وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد ، ويذبحون الحيوان على القفا . أحالوا نسخ الشريعة شرعا . وهم كسائر اليهود . يدعون أن الشريعة لا تكون إلا واحدة ، وهي ابتدأت بموسى - عليه السلام - وتمت به . فلم تكن قبله شريعة . إلا حدود عقلية ، وأحكام مصلحية . ولم يجيزوا النسخ أصلا ؛ لأن النسخ في الأوامر بداء . ولا يجوز البداء على الله - تعالى . [ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 1 / 178 ، والمل والنحل للشهرستاني 1 / 215 وما بعدها ] .