سيف الدين الآمدي

375

أبكار الأفكار في أصول الدين

قلنا : هذا يدل على كون الإداوة مطلقة لا عامة ، وإلا فلو كان اللفظ مقتضيا للعموم في كل إداوة ، لحرم الشرب من باقي الإداوات ، بعد شربه من واحدة منها ، وليس كذلك . وقوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى « 1 » فهو حقيقة في ذات المشفوع له . والرضى غير متعلق بذاته ؛ ولهذا فإنه لا يقال رضيت ذات فلان ؛ فلا بد من التجوز ، فكما يمكن التجوز بذلك عمن ارتضى أفعاله ، فيمكن التجوز به عمن ارتضيت الشفاعة له ؛ وليس أحد المجازين أولى من الآخر . وبتقدير أن يكون المراد منه ، من ارتضيت الشفاعة له ؛ لا يدل على نفى الشفاعة إلا بتقدير عدم الرضا بالشفاعة ، ولا سبيل إلى بيانه في محل النزاع . وإن سلمنا وجوب حمل الآية على من ارتضى فعله / فلا نسلم وجوب حمله على كل الأفعال ؛ فإن حمل اللفظ على الفعل ؛ إنما كان ضرورة العمل باللفظ ؛ فيكون حجة في أقل ما تندفع به الضرورة ، ولا يعم . وعلى هذا ، فيكون الفاسق المؤمن ، مرضيا بعمله من جهة إيمانه ؛ فلا يكون خارجا عن صورة الاستثناء . وقوله تعالى أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ « 2 » . دليل أن من حقت عليه كلمة العذاب أنه لا شفاعة « 11 » / / في حقه ، ونحن نقول به ؛ فإن المراد من قوله : حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أنه قطع بعذابه ، وذلك عندنا غير متصور في حق غير الكافر الّذي مات على كفره . وقوله تعالى : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ « 3 » . فجوابها ما سبق في جواب الآية الأولى ، ويخصها جواب آخر ، وهو القول بالموجب ، فإن المفهوم من النصرة : المدافعة بجهة القهر والغلبة ، ومن الشفاعة : الطلب من جهة الخضوع ، ولا يلزم من نفى

--> ( 1 ) سورة الأنبياء 21 / 28 . ( 2 ) سورة الزمر 39 / 19 . ( 11 ) / / أول ل 131 / أ . ( 3 ) سورة البقرة 2 / 270 .