سيف الدين الآمدي
310
أبكار الأفكار في أصول الدين
أما الحجة الأولى القائلة بأن ما انعدم بعد وجوده إما أن يكون انعدامه لعدم علته ، الفاعلة له ؛ أو لوجود مضاد يعدمه - فباطلة . أما أولا : فلا نسلم الحصر ، وما المانع أن يكون انعدامه في الحال الثاني من وجوده لذاته كما تقرر في الأعراض ؟ ، وبتقدير تسليم امتناع عدم ما وجد لذاته ، فما المانع أن يكون انعدامه لفاعل مختار أعدمه ، أو لفوات شرط بقائه ، وانقطاع وجود ما لا بد لوجوده منه بأن لا يخلقه الله - تعالى - كما سبق في الفناء « 1 » . وإن سلمنا الحصر في القسمين ، ولكن ما المانع من عدم النفس على أصولهم لعدم علتها ؟ قولهم : لأن علتها العقل الفعال ، وهو غير قابل للفساد . قلنا : لا نسلم وجود العقل الفعال فضلا عن كونه علة كما سبق تحقيقه . وإن سلمنا وجوده ؛ فلا نسلم أنه العلة للنفوس الإنسانية . وإن سلمنا أنه / علة النفوس الإنسانية ؛ فلا نسلم أنه غير قابل للفساد ، بل النزاع فيه كالنزاع في النفس . وإن سلمنا امتناع انعدامها لانعدام علتها ؛ فما المانع أن يكون ذلك بسبب وجود مضاد لها ؟ وأما قولهم : لأن ذلك إنما يتصور مع قيام الضدين « 2 » بموضوع واحد ، أو محل واحد لا نسلم ذلك وما المانع أن يكون ضدا لها ، بمعنى أنه يمتنع وجودها مع وجوده وإن لم يجتمعا في موضوع ولا محل ، وهو أعم من كونه ضدا مانعا في المحل . وإن سلمنا أن ذلك لا يكون إلا كما ذكروه ، ولكن لا نسلم أن النفس ليست موجودة في موضوع ، وإنما لا يكون في موضوع أن لو كانت جوهرا ، ودليله غير يقيني . وإن سلمنا امتناع وجودها في موضوع ؛ فلا نسلم امتناع وجودها في محل . وما المانع من قيامها بالمحل على نحو قيام الصور الجوهرية بموادها ؟ وما ذكروه في إحالة ذلك فقد أبطلناه .
--> ( 1 ) انظر ما مر في الأصل الخامس : في فناء الجواهر والأعراض ل 103 / أو ما بعدها . ( 2 ) الضدان : صفتان وجوديتان تتعاقبان في موضع واحد ، يستحيل اجتماعهما : كالسواد ، والبياض . والفرق بين الضدين ، والنقيضين : أن النقيضين لا يجتمعان ، ولا يرتفعان : كالعدم ، والوجود . والضدين : لا يجتمعان ، ولكن يرتفعان : كالسواد ، والبياض ، [ التعريفات للجرجاني ص 155 ] .