سيف الدين الآمدي
306
أبكار الأفكار في أصول الدين
وعلى هذا تفعل الطبيعة للنفس قبل وجود البدن ، وإن كان معطلا ؛ فلا يكون معطلا بتقدير المقارنة للبدن ، وإن سلمنا امتناع تعطيل فعل الطبيعة دائما ؛ ولكن إنما يلزم ذلك أن لو خلت النفس عن البدن ، وذلك مبنى على امتناع التناسخ على أصولهم ؛ وسيأتي إبطاله . ثم يلزم على من قال منهم ببقاء أنفس الأطفال بعد المفارقة أن لا يبقى ؛ لأنها تكون معطلة عن الإدراك والتحريك الجسماني كما ذكروه . وأما الحجة الثالثة : فباطلة أيضا « 1 » ؛ إذ ليس يمتنع أن يقال إن ما وجدنا النفس عليه من الحال عند ابتداء وجود البدن هو حالها ، وكمالها في العدم قبل حدوث البدن ، وما يتجدد لها من الأحوال ، والانتقالات وأنواع التغيرات : فإنما هو لها بسبب البدن . وأما التفريع الثاني : في وحدة النفس الإنسانية وتكثرها . فنقول - [ أما ] « 2 » حجة من قال بوحدتها : فمبنية على القول بقدمها ، وامتناع تكثرها قبل وجود الأبدان ، وقد أبطلناه « 3 » . وأما القول بتكثرها وإن كان هو الحق : غير أن بناء ذلك على ما قيل من الحجة وهو فاسد بما أسلفناه « 4 » من جواز أن يكون ما اختص به كل واحد من أشخاص الناس من العلم ، والجهل ، وغيره مما قيل مشروطا باتصال تلك النفس المتحدة ببدنه . وعلى هذا : فقد بطل التفريع على ذلك بأنها متكثرة بالنوع والشخص ، وبتقدير التسليم لأصل التكثر ؛ فلا بد من تتبع حجج المذهبين . أما الحجة على القول بتكثرها بالنوع ففاسدة ؛ / فإنه لا مانع من أن يكون اختلاف النفوس فيما فرض من الأحوال المذكورة لتخصيصها بها مستندا ذلك إلى فعل فاعل مختار كما سبق تحقيقه « 5 » . وبتقدير أن لا يكون المخصص لها بذلك فاعلا مختارا ، فلا مانع أن يكون ذلك ، بسبب اختلاف أمزجة أبدانها ، لا لاختلافها في جوهرها .
--> ( 1 ) الرد على الشبهة الثالثة لأرسطو ومتابعيه . ( راجع ل 204 / ب الحجة الثالثة ) . ( 2 ) ساقط من ( أ ) . ( 3 ) راجع ما مر في ل 211 / أ . ( 4 ) راجع ما مر في ل 205 / أ . ( 5 ) راجع ما مر في الجزء الأول ل 211 / ب وما بعدها .