سيف الدين الآمدي

242

أبكار الأفكار في أصول الدين

تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ومعناه ألا تكون على صورة الملائكة وأن لا تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ؛ أي خلف لهما على ذلك ، وذلك يدل على أن صور الملائكة أحسن ، وأعظم من صور البشر ، لا على الفضيلة . وقوله - تعالى - : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ « 1 » . لا يدل على تفضيل الملائكة على المسيح ، وتأخير الملائكة في الذكر لا نسلم دلالته على ذلك ، وما ذكروه من المثال في قول القائل « إن فلانا لا يستنكف عن خدمته الوزير ، ولا السلطان » لم يعرف فيه زيادة شرف السلطان على الوزير من التقديم ، والتأخير ؛ بل كان ذلك معلوما لنا قبله . ولهذا لو قال القائل « ما فعل هذا الأمر زيد ، ولا عمرو » فإنه لا يدل على شرف عمرو ، على زيد ؛ بل ربما كان الأمر بالعكس في نفس الأمر . وإن سلمنا أن ذلك يدل على أفضلية هذا المتأخر في الذكر ، ولكن غايته الدلالة على أن جملة الملائكة ، أفضل من المسيح وليس فيه ما يدل على أن آحاد الملائكة أفضل من المسيح . والنزاع إنما هو واقع في أن آحاد الأنبياء ، أفضل من آحاد الملائكة . لا في أن آحاد الأنبياء ؛ أفضل من جملة الملائكة . وإن سلمنا دلالة ذلك على أن آحاد الملائكة أفضل من المسيح ، ولكن ليس فيه ما يدل على أنه أفضل منه في الثواب ، ورفع الدرجة في الدار الآخرة عند الله - تعالى - ؛ بل يحتمل أن التفاضل بينهما في القوة / والقدرة ، أو من جهة كون المسيح مخلوقا من أنثى لا من ذكر ، وكون الملك مخلوقا من غير ذكر ، ولا أنثى ، وذلك لأن النصارى لما اعتقدوا إلاهية المسيح إما لقدرته على إحياء الميت ، وإما لكونه مخلوقا من غير ذكر ، قال - تعالى - محتجا عليهم بقوله لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ - مع قدرته على إحياء الميت ومع كونه مخلوقا من غير ذكر - أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ « 2 » الذين هم أقوى ، وأقدر منه ، وكونهم مخلوقين من غير ذكر ، ولا أنثى ، والتفاوت بين المسيح ، والملائكة في كل واحد من الأمرين المذكورين لا يدل على فضيلة الملك بالنسبة إلى المسيح فيما هو محل النزاع على ما قررناه .

--> ( 1 ) سورة النساء 4 / 172 . ( 2 ) سورة النساء 4 / 172 .