سيف الدين الآمدي

220

أبكار الأفكار في أصول الدين

ذلك على طريق الاستعلام ، والاستفهام كقوله - تعالى - : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 1 » ؛ بل إنما ذكروا ذلك - وإن كانت صورته صورة استفهام - على طريق الإثبات ؛ تصديقا لله - تعالى - فيما أخبرهم به . وذلك أن الله - تعالى - أخبرهم بأنه يجعل في الأرض من يفسد فيها ، ويسفك الدماء ، فقالوا تصديقا له - تعالى - أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ « 2 » ، والمراد به تجعل ، ويجوز في لغة العرب أن يطلق ما لفظه لفظ الاستفهام ، والمراد به الإثبات . قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح أي أنتم خير من ركب المطايا . وقد قال بعض أهل التفسير : إنما ذكروا ذلك على طريق التعجب عند أنفسهم من ذلك . وعلى كل تقدير فلا يكون ذلك منهم بطريق الإنكار . وعلى هذا : فقد اندفع ما ذكرتموه من الوجه الثاني ، والثالث أيضا . وقولكم في الوجه الرابع : إنهم ذكروا ذلك على طريق الترفع ، والتعجب ؛ ليس كذلك . بل إنما ذكروه على طريق الإخبار بالانقياد لله - تعالى والطاعة ، والتعظيم لشأنه ، والتذلل بين يديه ، كما في قول الواحد منا لغيره إذ أراد التذلل بين يديه ، أنا عبدك وخديمك وقائم بخدمتك . وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على وقوع الذنوب من الملائكة ؛ فهو معارض بما يدل على عدمه ، وبيانه من وجهين : الأول : قوله - تعالى - في صفة الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ « 3 » . ومن هذا صفته ؛ لا يتصور صدور الذنب منه ؛ لأنه في حالة صدور الذنب منه ؛ يستدعى الفتور في التسبيح ؛ وهو خلاف مدلول الآية .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء 21 / 27 . ( 2 ) سورة البقرة 2 / 30 . ( 3 ) سورة الأنبياء 21 / 20 .