سيف الدين الآمدي
205
أبكار الأفكار في أصول الدين
الإطلاق ، بخلاف ما عداه ؛ فكان حمله عليه أولى ، ولا يصرف عنه إلا بدليل . كيف وأن هذه السورة مكية وأنها نزلت على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو في غاية الضعف ، والخمول ، وشدة الخوف من الأعداء ، وقبل إعلاء كلمته ، ونشر أعلامه ؛ فامتنع الحمل على ما ذكروه من الاحتمال . فإن قيل : فمن المحتمل أن يكون المراد من قوله - تعالى - أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ . المستقبل وإن كان ظاهرا في الماضي ، كما في قوله - تعالى - : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ « 1 » . وقوله : وَنادَوْا يا مالِكُ « 2 » . وإن سلمنا أن المراد به الماضي غير أنه - تعالى - لما بشره بأنه يعلى دينه ، ويظهر كلمته ، ويشفيه من أعدائه ، وهو واثق بصدق الله - تعالى - فيما وعده به ، كان بذلك قد وضع عنه ثقل غمه بسبب قومه . قلنا : أما الأول : وإن كان محتملا ، إلا أنه خلاف الظاهر ؛ فلا يصار إليه إلا بدليل . وأما الثاني : فبعيد أيضا . فإن مقتضى قوله - تعالى - : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، رفع الوزر مطلقا ، والوعد بما ذكروه لا يرفع الوزر مطلقا ، فإن الغم الحاصل بعناد المشركين له ، وخوفه منهم في الحال ، حاصل وإن قل بسبب وثوقه بوعد الله - تعالى - بإزالته ؛ فكان الحمل على ما ذكرناه أولى . وعند هذا : فلا بد من الإشارة إلى شبه الخصوم ، والتنبيه / على وجه الانفصال عنها . الشبهة الأولى : وهي العمدة الكبرى للخصوم . وهي أن المعجزة لما دلت على صدق الرسول في دعوى الرسالة من حيث أن ظهورها على يده ينزل من الله - تعالى - منزلة التصديق له بالقول ؛ فقد دلت على وجوب اتباعه بواسطة دلالتها على صدقه ؛ لأن الغرض من إرساله ، وتصديقه ؛ إنما هو وجوب اتباعه فيما يخبر به ، ويؤديه إلينا . فكل ما يقدح في القبول ووجوب الامتثال ؛ فالمعجزة تدل على امتناعه .
--> ( 1 ) سورة الأعراف 7 / 50 . ( 2 ) سورة الزخرف 43 / 77