سيف الدين الآمدي

200

أبكار الأفكار في أصول الدين

والجواب : أن المراد بالتمنى هاهنا التلاوة لثلاثة أوجه : الأول : ما وردت عليه الآية من السبب ، وهو ما سمع من قوله « تلك عند الله من الغرانيق العلى » وذلك إنما وقع في التلاوة ، لا في تمنى القلب . الثاني : قوله - تعالى - : فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ولفظ النسخ في الشرع معهود في نسخ التلاوة ، أو حكمها دون ما عداهما ؛ فكان حمله عليه متعينا . الثالث : قوله - تعالى - : ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ، قال ابن عباس معناه بإخراج ما ليس منها . والمراد بالآيات : آيات القرآن وهي نفس التلاوة ، لا تمنى القلب . قولهم : لا نسلم أن ذلك جرى على لسانه - صلى اللّه عليه وسلم . قلنا : هذا خلاف المنقول على لسان الرواة الثقات / ، ونزول جبريل معاتبا للنبي بقوله : « تلوت على الناس ما لم آتك به » . قولهم : إما أن يكون عمدا ، أو سهوا . قلنا : ما المانع أن يكون سهوا ، وقوله - تعالى - : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى « 1 » . فهو مشروط بعدم المشيئة على ما قال - تعالى - : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ « 2 » . فلم قلتم إنه لم يشأ ذلك . قولهم : إن العادة تحيل النسيان في مثل ذلك . قلنا : إن أردتم بذلك أنه محال عادة : كاستحالة انقلاب الجبال ، ذهبا ، والبحار دما في وقتنا هذا ؛ فغير مسلم . وإن أردتم به أنه مما يندر السهو في مثل ذلك ؛ فهو مسلم . ولا جرم قلما وقع ذلك أو يقع . قولهم : يحتمل أن يكون ذلك من كلام من قرب من المشركين منه ، وقت قراءته . قلنا : هذا مجرد احتمال ؛ فلا يقع في مقابلة المنقول الظاهر بأي طريق كان .

--> ( 1 ) سورة الأعلى 87 / 6 . ( 2 ) سورة الأعلى 87 / 7 .