سيف الدين الآمدي
178
أبكار الأفكار في أصول الدين
قولهم : في الكلام تقديم ، وتأخير على ما ذكروه ؛ فهو ممتنع لوجهين : الأول : أنه يلزم مما ذكروه تقديم جواب لولا عليها ، وهو غير جائز . ولهذا فإنه لا يحسن أن يقال : قام زيد لولا عمرو ، وقصدتك لولا بكر . الثاني : هو أن جواب لولا يكون إلا باللام ، كما في قوله - تعالى : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ 143 لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » كيف وأن ما ذكروه يوجب دفع همه بها ، وهو خلاف ما نقله أرباب التفاسير . فإن قيل : لو لم يكن قوله وهمّ بها جوابا لقوله لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لكان جواب لولا محذوفا ، وليس القول بامتناع تقديم جواب لولا عليها ، أولى من امتناع حذف جوابها . قلنا : ليس كذلك ؛ فإن حذف الجواب جائز في اللغة ، وقد ورد به القرآن ، وشعر العرب . أما القرآن : فقوله - تعالى - وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 2 » معناه : ولولا فضل الله عليكم لهلكتم ، أو غير ذلك . وأما الشعر : فقول امرئ القيس : فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا « 3 » وأراد فلو أنها نفس تموت لعيب غير أنه حذف الجواب اعتمادا على اقتضاء الكلام له . ولم يصح ورود تقديم جواب لولا عليها ؛ فكان ممتنعا . وعلى هذا : فجواب لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ « 4 » المحذوف : لزنا بها . قولهم : معنا ما يدل على عدم ذلك ممنوع ، وقوله - تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ « 5 » فالمراد به ما سوى الهمّ بها وإلا كان جواب لولا متقدما عليها ، ومن غير لام ؛ وهو ممتنع كما سبق .
--> ( 1 ) سورة الصافات 37 / 143 ، 144 . ( 2 ) سورة النور 24 / 20 . ( 3 ) ديوان امرئ القيس ص 107 . سبقت ترجمته . ( 4 ) سورة يوسف 12 / 24 . ( 5 ) سورة يوسف 12 / 24 .