سيف الدين الآمدي
153
أبكار الأفكار في أصول الدين
ومنه يقول العرب اغفروا هذا الأمر : أي أصلحوه بما ينبغي أن يصلح ، وليس في ذلك ما يدل على ارتكاب الجريمة . وقوله - تعالى - فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى « 1 » . قلنا : التوبة في اللغة بمعنى الرجوع ومنه / يقال : تاب فلان إذا رجع ، فمعنى توبة آدم أنه رجع إلى الله - تعالى - وإلى الانقطاع إليه . ومعنى توبة الرب - تعالى - عليه ، والعود عليه بالتفضل ، والإنعام ، وليس في ذلك ما يدل على ارتكاب الجريمة والذنب . قلنا : أما قولهم : إن المعصية عبارة عن مخالفة الأمر أو النهى ، مسلم . قولهم : إن الأمر منقسم : إلى أمر إيجاب ، وندب . والنهى ينقسم إلى : نهى تحريم ، وكراهة تنزيه . قلنا : إذا سلمتم أنه يلزم من اطلاق اسم العصيان عليه مخالفة الأمر ، أو النهى ، فنحن وإن سلمنا انقسام صيغة افعل ، ولا تفعل إلى ما ذكروه من الأقسام ؛ فلا نسلّم انقسام الأمر إلى أمر إيجاب « 2 » [ وندب ؛ بل الأمر على الإطلاق لا يكون إلا للإيجاب ] على ما ذهب إليه كثير من أصحابنا . وأن الندب غير مأمور به ، ودليله العرف ، والنص . أما العرف : فهو أن السيد إذا أمر عبده بأمر فخالفه ؛ فإنه يحسن في العرف لومه ، وعتابه . ويقضى كل عاقل عقل . العرف وأهله بذلك . وليس ذلك مبنيا على قرائن الأحوال ؛ فإنه قد يحكم بذلك من كان غائبا عن مجلس الأمر ، وإن لم يشاهد قرينته أصلا . وأما النص : فقوله - تعالى - فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 3 » . حذر عن مخالفة أمره ، وذلك لا يكون في الأمر إذا لم يكن للوجوب ، وقوله عَنْ أَمْرِهِ يعم كل أمر له . ولهذا فإنه لو قال السيد لعبده من خالف أمر ولدى فإنه معاقب ؛ فإنه يحسن أن يعاقب على مخالفة أي أمر كان له عرفا . وإذا كان أمر النبي محمولا على الإيجاب مطلقا ؛ فأمر الله - تعالى - أولى .
--> ( 1 ) سورة طه 20 / 122 . ( 2 ) ساقط من « أ » . ( 3 ) سورة النور 24 / 63 .