سيف الدين الآمدي
146
أبكار الأفكار في أصول الدين
وأما ما لا يكون من هذا القبيل : كنظرة ، أو كلمة سفه نادرة في خصام ، ونحو ذلك ؛ فهذا مما اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا أو سهوا ، خلافا للشيعة . وذهب الجبائي : إلى أن ذلك لا يجوز إلا بطريق السهو ، أو الخطأ في التأويل . وذهب النظام ، وجعفر بن مبشر : إلى أن ذلك لا يجوز منهم إلا على طريق الغفلة ، والسهو . غير أنهم يؤاخذون بذلك وإن لم تؤاخذ أممهم به ؛ لعلو رتبتهم ، وقوة معرفتهم بالله - تعالى . وهل يجوز أن يخلع الله - تعالى - نبيا من نبوته . فقد اتفق أصحابنا على جوازه عقلا ، غير أن المسلمين اتفقوا على أن ذلك لم يقع . وما يروى أن بلعام بن باعور « 1 » كان نبيا وخلع من نبوته ، فلم يثبت ولم يصح .
--> ( 1 ) بلعام بن باعور : وقيل ( بلعم ) وقد وردت في شأنه روايات مختلفة تصل إلى درجة التناقض . فيقول ابن حزم ( الفصل في الملل والأهواء والنحل 1 / 179 ) « كما كان أيوب نبيا في ( بنى عيص ) . وكما كان ( بلعام ) نبيا في ( بنى موآب ) بإقرار من جميع فرق اليهود » . كما أشار الطبري في تفسيره الجزء التاسع ص 76 وما بعدها ، إلى أنه كان يدعى ( بلعم ) بفتح الباء أو بضمها من بني إسرائيل . وقد ذكره القرطبي في تفسيره للآيات الكريمة من سورة الأعراف من أول قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ إلى قوله تعالى : ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ سورة الأعراف 7 / 175 - 177 - [ تفسير القرطبي 4 / 2755 - 2760 ] . « ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة . واختلف في تعيين الّذي أوتى الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم من بني إسرائيل في زمن موسى - عليه السلام - وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعنى بقوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ولم يقل آية وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه . ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا « أن ليس للعالم صانع » . قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ؛ ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه ؛ فاتبع دينه ، وترك دين موسى ، ففيه نزلت هذه الآيات . المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتى النبوة ؛ وكان مجاب الدعوة . وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتى كتابا ، وقال مجاهد أنه أوتى النبوة ؛ فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه . قال الماوردي : وهذا غير صحيح ؛ لأن الله تعالى لا يصطفى لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته . أما الفخر الرازي في تفسيره ( 15 / 57 - 61 ) فيستبعد ما نقل عن بلعام بعد نقله ويقول : « هذا بعيد لأنه تعالى قال ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وذلك يدل على أنه - تعالى - لا يشرّف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ؛ فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر ؟ » . وأما عبد القاهر البغدادي فينفى عنه النبوة ويثبت له الكرامة في كتابيه أصول الدين ، والفرق بين الفرق . ففي أصول الدين ص 174 ، 175 « وصاحب الكرامة لا يؤمن تبدل حاله فإن بلعم بن باعورا أوتى من هذا الباب ما لم يؤت غيره ثم ختم له بالشقاء » . وفي الفرق بين الفرق ص 344 « وصاحب الكرامة لا يأمن تغير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته » . وهذا يوافق ما قاله الآمدي : « وما يروى أن بلعام بن باعور كان نبيا وخلع من نبوته ؛ فلم يثبت ولم يصح » .