سيف الدين الآمدي

140

أبكار الأفكار في أصول الدين

كيف وأنه لا يبعد صدور الأمر من الله - تعالى - للمكلف بفعل شيء مطلقا في وقت يكون ذلك محدودا في علم الله - تعالى - إلى حين ما علم أنه ينسخه عنه لعلمه بأن مصلحة المكلف في ذلك الأمر لاعتقاده موجبه ، وكف نفسه عما يضربه ، ثم يقطع عنه التكليف في الوقت الّذي علم أنه ينسخه عنه لعلمه بما فيه من المصلحة ، ودفع المفسدة ، ويكون ذلك الفعل بعينه كالإضافة إلى وقت متعلق المصلحة والحسن ، والإرادة والإضافة إلى غيره متعلق القبح والمفسدة ، والكراهة . وعلى هذا فيندفع ما ذكروه من البداء والندم ، فإن ذلك إنما يكون أن لو انكشف للبارى - تعالى - في ثاني الحال ما أوجب له المنع من الفعل ، والنهى عنه ، ولم يكن عالما به قبله ؛ وليس كذلك . قولهم : النسخ في اللغة عبارة عن الرفع « 1 » . قلنا : وإن كان كذلك الا أنا إنّما نريد بالنسخ : الخطاب القاطع لحكم خطاب شرعي سابق على وجه لولا الخطاب القاطع له لاستمر ذلك الحكم ودام ، ومن أطلق من أصحابنا لفظ الرّفع على النسخ ، فلم يرد غير ما ذكرناه ، وذلك غير ممتنع . وليس قطع الاستمرار راجعا إلى الكلام القديم الّذي هو صفة الرب - تعالى ؛ لاستحالة العدم عليه : إنما هو عائد إلى قطع تعلقه بالمكلف وكفّ الخطاب عنه ؛ وذلك غير مستحيل . وأما العيسوية : فيمتنع عليهم ، بعد التسليم بصحة رسالته ، وصدقه وقيام المعجزة القاطعة ؛ تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى البعثة إلى الأمم كافة ، لا إلى العرب خاصة . وعلم كذلك منه كما علم وجوده ، ودعواه الرسالة ، ومن ذلك ما ورد به الكتاب العزيز وتواتر به الخبر كقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 2 » وقوله

--> ( 1 ) النسخ في اللغة : هو الإزالة والنقل . وفي الشرع : هو أن يرد دليل شرعي متراخيا عن دليل شرعي ، مقتضيا خلاف حكمه ، فهو تبديل بالنظر إلى علمنا ، وبيان لمدة الحكم بالنظر إلى علم الله - تعالى - . والنسخ ( أيضا ) في اللغة عبارة عن التبديل ، والرفع ، والإزالة ، فيقال : نسخت الشمس الظل ( أي ) أزالته . وفي الشريعة : هو بيان انتهاء الحكم الشرعي في حق صاحب الشرع . وكان انتهاؤه عند الله - تعالى - معلوما إلا أن في علمنا كان استمراره ودوامه ، وبالناسخ علمنا انتهاءه ، وكان في حقنا تبديلا ، وتغييرا . ( كتاب التعريفات للشريف الجرجاني ص 268 ) . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 158 .