سيف الدين الآمدي

132

أبكار الأفكار في أصول الدين

مماثلة جملة ما صدر عن الأبلغ لم يجد إليه سبيلا ، ولا يمكن ضبط الكلام الّذي يظهر فيه تفاوت البلغاء بكلام مقدر محدود ، بل إنما ضبط ذلك بالمتعارف المعلوم بين أهل الخبرة ، والبلاغة . وما ذكرناه وإن كان فيه ترك ظاهر الإطلاق في قوله - تعالى : - فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ « 1 » غير أن تقييد المطلق بالدليل واجب ، فإن حمل التحدي على ما لا يتفاوت فيه بلاغة البلغاء ، ولا يظهر به التعجيز يكون ممتنعا . قولهم : لا نسلم بلوغ خبر التحدي إلى كل الناس . قلنا : لا شك في بلوغه إلى فصحاء العرب ، فإذا كان القرآن معجزا بالنسبة إليهم فلأن يكون معجزا بالنسبة إلى غيرهم أولى . فإن قيل : يحتمل أن يكون بعض بلغاء العرب ومن هو مقتدر على الإتيان بمثل القرآن قد سافر إلى مكان لم يسمع بالنبي ، وتحديه بالقرآن فيه . قلنا : هذا الاحتمال وإن كان متقدما حالة التحدي ؛ فغير منقدح بعد ذلك ضرورة اشتهاره في جميع الأقطار . قولهم : لا نسلم أن المعارضة لم تقع . قلنا : دليله ما سبق وما نقل من ترهات مسيلمة « 2 » من قوله : « الفيل وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وثيل ، وخرطوم طويل « وقوله » والزارعات زرعا ، فالحاصدات حصدا ، والطاحنات طحنا « وقوله » يا ضفدع بنت ضفدعين نقى أو لا تنقين ، لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين » إلى غير ذلك من كلامه الغث ولتاته الرث ؛ فلا يخفى ما فيه من الدلالة على جهالة قائله وضعف عقله ، وسخف رأيه ، حيث ظن أن مثل هذا الكلام النازل الّذي هو مضحكة العقلاء ، ومستهزئ الأدباء ، معارض لما أعجز الفصحاء معارضته وأعيى الألباء مناقضته ، من حين البعثة ، إلى زمننا هذا .

--> ( 1 ) سورة يونس : 10 / 38 . ( 2 ) راجع عنه ما مر في هامش ل 154 / أ ،