سيف الدين الآمدي
108
أبكار الأفكار في أصول الدين
فلئن قلتم إن ذلك لا يقع معارضا للقرآن لركاكته بالنسبة إلى بلاغة القرآن ؛ فهي دعوى معارضة بنقيضها من الخصوم . سلمنا أن المعارضة ما ظهرت ؛ ولكن لا نسلم أن كل ما كان من الأمور العظيمة لا بدّ وأن يشتهر ، ودليله سائر معجزات النّبي صلى اللّه عليه وسلم وكذلك كون التسمية آية من القرآن في أول كل سورة وكذلك التّثنية في إقامة الصّلاة عندكم من الأمور العظيمة ، ولم تشتهر بحيث نقلت تواترا ؛ بل أبلغ من ذلك أمر النّبوّة . وكم من نبىّ لم يعرف ولم يشتهر « 1 » . سلمنا أن كل ما كان من الأمور العظيمة لا بد وأن يشتهر ؛ ولكن إذا وجد له مانع ، أو إذا لم يوجد . الأول : ممنوع ، والثاني : مسلم . وبيان احتمال وجود المانع : أنه من الجائز أن يكون المعارض قد أخفى ما عارض به : إما لمال ارتشى به لا يقدر على تحصيله بغير هذا الطريق . أو لخوفه من اتباع رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه الذين اتبعوه ؛ لطلب الرئاسة ، والملك ، والأغراض الدنيوية ، أو أن أصحابه صلى اللّه عليه وسلم - توافقوا على كتم المعارضة ، وسترها ، واعدامها لاستيلائهم على البلاد ، وعموم حكمهم على العباد بحيث استأصلوها . ولم يبق منها شيء ، ولا من ناقليها . سلمنا أن المعارضة لم توجد . ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على عجزهم عنها « 2 » . قولكم : لو كانوا قادرين عليها لأتوا بها ؛ إذ هي أبلغ الطرق ، وأسهلها في افحامه ، ودفع الضرر عنهم . قلنا : ما المانع أن يكون القادر على المعارضة عدد يسير . وقد اتبعوه ، وأظهروا العجز عن المعارضة محافظة على ما كانوا يبتغونه في معاضدته من الملك ، والاحتواء على أمور الدنيا . وعلى هذا فلا ضرر عليهم في الموافقة حتى يقال بدفعها بالمعارضة . سلمنا عدم الموافقة له من الكل ؛ ولكن لا نسلم مع ذلك أنّ عدم المعارضة يدل على عجزهم عنها .
--> ( 1 ) وقد رد الآمدي على هذه الشبهة بأن المعارضة لو وجدت لظهرت . . . إلخ . ( انظر ل 165 / ب ) . ( 2 ) وقد رد على هذه الشبهة بقوله : « لو لم يعجزوا ؛ لأتوا بالمعارضة ؛ لما سبق » .