سيف الدين الآمدي
91
أبكار الأفكار في أصول الدين
الفصل الثاني في مراتب العلوم لا نعرف خلافا في جواز كون العلم النّظرى مستندا إلى علم ضروري ، أو إلى علم نظري يستند في الآخرة إلى علم ضروري . وإنّما الخلاف في جواز استناد العلم الضّرورى إلى النّظري ، أو إلى ضروري آخر . أما استناد العلم الضّرورى إلى النظري « 1 » ؛ فقد اختلف أصحابنا فيه : فمنهم من جوّزه اعتمادا منه على أنّ العلم باستحالة اجتماع الضّدين ضروري ، والتّضاد لا يكون إلا بين الأعراض . والعلم بوجود الأعراض نظري لا ضروري ؛ فالعلم باستحالة اجتماع الأضداد « 2 » ضروري ؛ وهو مستند إلى العلم بوجود الأضداد ؛ وهو نظري ؛ ولهذا فإن « 3 » من لا يعلم وجود الأضداد ، لا يحكم باستحالة اجتماعها . وأنكره الباقون : من حيث أن العلم الضّرورى لا خلوّ للنفس عنه . بخلاف العلم النظري فإنه لا يمتنع الخلوّ عنه بتقدير عدم النظر . فلو كان العلم الضروري مستندا إلى العلم النّظرى ؛ لأفضى إلى جواز خلو النفس عن الأصل مع امتناع خلوها عن التابع ؛ وهو محال . ثمّ اختلف هذا الفريق في الجواب عن مستند الفريق الأول : فمنهم من قال بأنّ العلم باستحالة اجتماع الضّدين نظري ، وليس بضروري ، ولهذا يحسن إقامة الدّليل عليه على من قال : بجواز اجتماع الحركة ، والسّكون . والسّواد ، والبياض في محلّ واحد من أرباب الكمون والظّهور « 4 » .
--> ( 1 ) انظر المواقف للإيجي ص 147 وشرح المقاصد للتفتازانى 1 / 172 . ( 2 ) في ب ( الدين ) . ( 3 ) في ب ( قال ) . ( 4 ) والذين اشتهروا بهذا الاسم هم النظامية أتباع النّظّام ؛ إذ أن الخلق عند النّظّام فعل واحد ؛ فالله خلق الدنيا جملة ، والموجودات خلقت كلها دفعة واحدة ؛ ولكن بعضها يكون كامنا في بعض ، وبمرور الزمن تخرج أنواع المعادن ، والنبات ، والإنسان من مكامنها . ( انظر الملل والنحل 1 / 56 وتاريخ الفلسفة في الإسلام لديبور ص 47 ) .