سيف الدين الآمدي
392
أبكار الأفكار في أصول الدين
ولهذا لو قدرنا الواحد منا في نفسه ، اقتضى فعلا من شخص معدوم ، واستمر ذلك الاقتضاء إلى حين وجود المقتضى منه ؛ فإنّه إذا علم به إما بواسطة ، أو بغير واسطة ، وكان الطالب ممن يجب الانقياد له ؛ كان ذلك الاقتضاء بعينه أمرا له ، وموجبا لانقياده ، وطاعته من غير استئناف طلب آخر . فعلى هذا النحو هو أمر الله - تعالى - للمعدوم ، وتعلقه به . واشتراط فهم [ المأمور « 1 » ] ، إنما يكون عند تعلق الخطاب به في حال وجوده لا غير . ومن فهم معنى كلام النفس « 2 » ، ودفع عن وهمه الأزمان المتعاقبة ، والأحوال المختلفة لم يخف عليه ما قررناه . وربما استروح بعض « 3 » الأصحاب في « 4 » هذا الباب إلى المناقضة ، والإلزام فقال : كيف يصح استبعاد تعلق الأمر بمأمور معدوم « 4 » ؟ وعندكم أنه لا يتناول المأمور به إلا قبل حدوثه . ومهما وجد . خرج عن أن يكون مأمورا به ، وهو أحد متعلقى الأمر . فإذا لم يبعد تعلق الأمر بالفعل المعدوم ؛ لم يبعد تعلقه بالفاعل المعدوم . وأيضا : فإن الأمة مجمعة على أننا في وقتنا هذا مأمورون « 5 » . وعندكم أن الأمر قد تقضى ، ومضى ، فإذا لم يبعد وجود مأمور ولا أمر ، لم يبعد وجود أمر بلا مأمور . ولو لزم من وجود الأمر وجود المأمور ؛ للزم من وجود القدرة ، وجود المقدور ؛ وذلك يجر إلى قدم المقدور ، لقدم القدرة ؛ وهو محال على كلا المذهبين . وفيه نظر ؛ وذلك أن الأمر ، والنّهي من خطاب / التكليف ، والتكليف يستدعى مكلفا به ، والمكلف به يجب أن يكون معلوما مفهوما ؛ ليصح قصده لغرض الإتيان به ، والانتهاء عنه ؛ إذ هو مقصود التكليف . فإذن الفهم شرط في التكليف . ولهذا خرج من لا فهم له عن أن يكون داخلا في التكليف : كالجمادات ، وأنواع الحيوانات العجماوات ، ونحو ذلك ؛ لعدم شرط التكليف في حقهم .
--> ( 1 ) في أ ( المأموم ) . ( 2 ) في ب ( الله النفسي ) . ( 3 ) لعله الغزالي انظر الاقتصاد في الاعتقاد ص 91 - 92 . ( 4 ) في ب ( في الباب للمناقصة والإلزام فيقال كيف يستبعد تعلق الأمر بالمعدوم ) . ( 5 ) في ب ( مأمورون منهيون ) .