سيف الدين الآمدي
359
أبكار الأفكار في أصول الدين
قول العرب قرأت الناقة لبنها في ضرعها ؛ أي جمعته . ومنه قوله - تعالى - إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ « 1 » . ولولا ذلك لما تصور أن يسمعه موسى - عليه السلام - ؛ وقد سمعه . وأيضا فإنهم أجمعوا على أن القرآن . منزل مقرؤ بألسنتنا ، محفوظ في صدورنا ، مسطور في مصاحفنا ، ملموس بأيدينا ، مسموع بآذاننا ، منظور بأعيننا ؛ ولذلك وجب احترام المصحف ، وتبجيله حتى أنه لا يجوز للمحدث حمله ، ولمسه ، والتقرب إليه ، ولا للجنب تلاوته ، وقد وردت أيضا الظواهر من الكتاب ، والسنة بما يدل على كونه « 2 » مسموعا ، وملموسا « 2 » ، وأنه بحرف وصوت ؛ فمن ذلك قوله - تعالى - وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 3 » وقوله - تعالى - لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 4 » . وقول النبي - عليه السلام - « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ فتناله أيديهم » « 5 » . وقوله - عليه السلام « إذا تكلّم اللّه بالوحي سمع صوته كجرّ السّلسلة على الصّفا » « 6 » ، وقوله - عليه السلام - « من قرأ القرآن وأعربه فله بكلّ حرف منه عشر حسنات « 7 » » إلى غير ذلك من الظواهر ، وذلك كله دليل الحدوث . وأيضا : فإن الإجماع منعقد / على أن القرآن معجزة الرسول ، والبرهان الدال على صدقه . ومعجزة الرسول يجب أن تكون من الأفعال الخارقة للعادة ، المقارنة لتحديه بالرسالة ؛ فإنه لو كان المعجز قديما أزليا ؛ لم يكن ذلك مختصا ببعض المخلوقين ، دون البعض ؛ إذ القديم لا اختصاص له بواحد دون واحد .
--> ( 1 ) سورة القيامة ) 75 / 17 . ( 2 ) في ب ( ملموسا ومسموعا ) . ( 3 ) سورة التوبة 9 / 6 . ( 4 ) سورة الواقعة 56 / 79 . ( 5 ) روى النووي في ( رياض الصالحين - ط صبيح ص 262 باب ( النهى عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ) متفق عليه . هكذا أورده النووي ، ولعل الزيادة التي ذكرها الآمدي في رواية أخرى . ( 6 ) روى البخاري في صحيحه عن مسروق عن ابن مسعود ( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا ، فإذا نزع عن قلوبهم ، وسكن الصوت ، عرفوا أنه الحق ، ونادوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق ) . ( صحيح البخاري 9 / 172 ، 173 ) . ( 7 ) وردت عدة أحاديث بهذا المعنى في رياض الصالحين للنووي ( باب فضل قراءة القرآن ) ص 165 وما بعدها . وبعض هذه الأحاديث صحيح .