سيف الدين الآمدي
356
أبكار الأفكار في أصول الدين
وإذا أتينا على ما هو المنقول عن أرباب هذه المذاهب في هذه المسألة ؛ فلا بد من الإشارة إلى طرق عول عليها بعض الأصحاب في المسألة ، والتنبيه على ضعفها ، ثم نبين بعد ذلك ما هو المعتمد إن شاء الله - تعالى . [ المسلك الأول للأصحاب والاعتراضات الواردة عليه ] فمنها : التمسك بقوله - تعالى - : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » ووجه الاحتجاج به أنه أخبر بأن مصدر جميع المخلوقات أمره ، وهو قوله : ( كن ) . ويلزم من ذلك أن يكون أمره قديما ، وإلا لاستدعى أمرا آخر ، والكلام في ذلك الأمر كالكلام في الأول ؛ وهو تسلسل ممتنع . فإن قيل : ليس المراد من الآية تحقيق الأمر القولي ، وخطاب ما أريد خلقه به ؛ بل المراد به إنما هو تعريف بعود الإرادة ، والمشيئة في المخلوقات ، والتسخير على وفق الإرادة والاختيار ؛ إذ هي حالة تنزل منزلة القول بالأمر ، والنهى . وقد يرد القول بمعنى الحالة ، لا بمعنى الكلام حقيقة ، وإليه الإشارة بقوله - تعالى - ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 2 » . وليس المراد من قوله - تعالى - ( فَقالَ لَها ) غير التعبرة عن نفوذ الإرادة في السماء ، والأرض ، وكمال التسخير ؛ فإن خطاب الجماد متعذر باتفاق العقلاء . وليس المراد من قوله : ( قالَتا أَتَيْنا / طائِعِينَ ) غير التعبرة عن تمام الطواعية ، والانقياد لإرادة الله - تعالى - ، لا نفس الكلام الحقيقي ؛ إذ هو متعذر في الجمادات قطعا . ومن ذلك أيضا قال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني « 3 » أضاف القول إلى الحوض ؛ وليس المراد به غير التعبرة عن الحالة ؛ لاستحالة القول في حقه . وأمثال ذلك في النظم ، والنثر كثير .
--> ( 1 ) سورة النحل 16 / 40 صححت الآية حيث كانت في أ ، ب ( إنما أمرنا . . . الخ ) . ( 2 ) سورة فصلت 41 / 11 . ( 3 ) ورد في لسان العرب مادة قطن بالنص الآتي : امتلأ الحوض وقال قطني * سلا رويدا قد ملأت بطني كما ورد في شواهد العيني على خزانة الأدب 1 / 361 .