سيف الدين الآمدي
275
أبكار الأفكار في أصول الدين
وما يمتنع تعليله ؛ ليس إلا ما كان واجبا بنفسه ، أو ممتنعا . وهذا وإن كان واجبا ؛ فليس وجوبه بنفسه ؛ فلا يتجه به النقض . وأيضا : فإن الخصم قد يسلم ثبوت هذه الأحكام للبارى تعالى ؛ ولكن على وجه تكون النسبة بينها ، وبين أحكام ذواتنا على نحو النسبة بين ذاته ، وذواتنا . وعند ذلك ؛ فلا يلزم من تعليل أحد المختلفين تعليل الآخر ؛ وإن وقع الاشتراك بينهما في التسمية على ما لا يخفى . ولا يلزم عليه أن يقال . فما تذكرونه في العلة مع المعلول ، لازم لكم في الشرط مع المشروط ؛ حيث أنكم قلتم : إن الباري حىّ ؛ ضرورة كونه شرطا لكونه عالما ، وقادرا ، ومريدا في الشاهد . فما هو اعتذاركم في الشرط ؛ هو اعتذارنا في العلة . فإن الخصم قد لا يسلم أن طريق إثبات كونه حيا ، جهة الاشتراط ؛ بل غيره من الطرق . كيف وأن البنية المخصوصة عنده شرط في الشاهد ، ومع ذلك لم نلتزم اطراد ذلك في الغائب ، فكيف يلتزم الاطراد في غيره ؟ وإنما الطريق في الرد على المعتزلة فيما أوردوه أن يقال : إن أردتم بكونها واجبة للبارى تعالى ، أنها لا تفتقر / إلى علة ؛ فهو المصادرة على المطلوب . وإن أردتم أنه لا بدّ منها لواجب الوجود ؛ فذلك لا ينافي التعليل بالصفة . والقول بأن التحيز للجوهر ، وقبوله للعرض في الشاهد لما كان واجبا ؛ لم يفتقر إلى علة : فمبنى على فاسد أصولهم في قولهم : إن هذه توابع الحدوث ، وتوابع الحدوث مما لا يدخل تحت القدرة ، ولا ينسب إلى فعل فاعل . وهو غير صحيح عند أهل الحق ؛ بل كلما تخيل في الأذهان فما له وجود عيني [ أصليا كان ، أو تابعا « 1 » ] ؛ فهو مقدور لله تعالى ، ومخلوق له ، وليس شيئا مما يفرض في الشاهد واجبا لنفسه . اللهم إلا أن يعنى بكونه واجبا ، أنه لازم لما هو ثابت له على وجه لا تقع المفارقة بينهما أصلا ؛ لكن الواجب بهذا التفسير غير مانع من تعليله ؛ كما سبق .
--> ( 1 ) في أ ( كان أصليا أو تابعا ) .