سيف الدين الآمدي
159
أبكار الأفكار في أصول الدين
وإما بطريق السلوك والرياضة ، وتصفية النفس وتكميل جوهرها ، حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية عالمة بها ، مطلعة على ما ظهر وبطن من غير احتياج إلى دليل ، ولا تعلم ، ولا تعليم . على ما سيأتي تحقيقه في النبوات « 1 » . سلمنا أنه لا طريق إلى معرفة الله - تعالى - إلا بالنظر ؛ ولكن لا نسلم أن ما لا يتم الواجب إلا به ؛ فهو واجب . ويدل عليه أنه لا تحقق للمعرفة دون وجود الدليل المنصوب عليها ، وانتفاء الأضداد المانعة منها ، وأن يكون العارف بها موجودا ، حيا ، عاقلا . وليس شيء من ذلك واجبا ، لعدم القدرة عليه . سلمنا دلالة ما ذكرتموه على وجوب النّظر ؛ لكن معنا ما يدل على أنه ليس واجبا . وبيانه من أربعة أوجه . الأول : أنه لم ينقل عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ولا عن الصحابة . الخوض في النظر والاستدلال في مسائل الكلام ، وتفاصيلها . ولو خاضوا في ذلك ؛ لنقل عنهم : كما نقل عنهم الخوض والبحث في المسائل الفقهية على اختلاف أصنافها ، ولو كان النظر المؤدى إلى ذلك واجبا ؛ كان الصحابة والتابعون ، أولى بالمحافظة عليه ؛ فحيث لم ينقل عنهم ذلك ؛ دلّ على أنه غير واجب . الثاني : إنكار النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على البحث في هذه المسائل والنظر فيها ؛ حيث أنكر على الصحابة وقد رآهم يتكلمون في القدر وقال : « إنّما هلك من كان قبلكم ؛ لخوضهم في هذا « 2 » » وقال أيضا : « عليكم بدين العجائز « 3 » » . وهو الكف عن النظر . إلى غير ذلك ، وتابعه على ذلك : الصحابة ، والتابعون ، والأئمة المجتهدون . والأخبار المأثورة عنهم في ذلك أكثر من أن تحصى .
--> ( 1 ) انظر الجزء الثاني من الأبكار 128 / أو ما بعدها . ( 2 ) الموجود بهذا اللفظ . « إنما هلك من كان قبلكم لسؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم ، ولن يؤمن أحد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره » عن عمرو رضي الله عنه . المعجم الكبير للطبراني . ( 3 ) « عليكم بدين العجائز » قال السخاوي : لا أصل له بهذا اللفظ . وورد بمعناه أحاديث لا تخلو عن ضعف . [ انظر الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة . المعروف بالموضوعات الكبرى للملا على القارى . ط المكتب الإسلامي ط 2 سنة 1986 ص 248 ] وانظر ما ذكره الآمدي عنه في ل 29 / أ .