سيف الدين الآمدي
154
أبكار الأفكار في أصول الدين
الفصل السادس فيما قيل « 1 » من أنّ النّظر ينقسم إلى خفي ، وجلى « 1 » وقد ذهب بعضهم « 2 » إلى أنّ : مراتب النّظر الصّحيح متفاوتة ، ومنقسمة إلى « 3 » الخفي والجلى ، محتجا على ذلك « 3 » بما تجده من سرعة بعض النظار إلى إدراك مقصده ، وبعد غيره ، وافتقار البعض إلى بحث « 4 » أشدّ من بحث الآخر ، وذلك مختلف باختلاف المطلوب في قرب الإدراك وبعده . حتى إن النّظر في مسألة افتقار الممكن إلى محدث « 5 » أقرب وأجلى من النظر في مسألة حدوث العالم ، وغيرها من المسائل الغامضة الدقيقة . وإطلاق العقلاء ، وأهل التحقيق ، شائع ذائع بقولهم : هذا نظر جلى ، وهذا خفي ؛ وهو بعيد عن التحقيق ، فإنّ النظر بحث يطلب به البيان ، وهو مضاد للبيان ، على ما تقدم في القاعدة الأولى « 6 » ، وما يضاد البيان ؛ لا يكون موصوفا به ، وما لا يكون موصوفا بالبيان لا يقال : منه ما هو جلى ، وخفي ؛ إذ الجلاء ، والخفاء من صفات البيان . وسرعة بعض النظار في إدراك مقصده ، وبعد الآخر ؛ ليس بسبب تفاوت النظر في الجلاء والخفاء ؛ بل إنّما ذلك بسبب استناد النظر إلى الضّروريات وقلّة الوسائط المستندة إليها وكثرتها ، وطول الزمان وقصره ، أو بسبب التفاوت في كلال القريحة ، والقوى الدراكة في البحث عن وجه دلالة الدليل . وبالنظر إلى الاحتمال الأول : كان قرب حصول بعض المطلوبات دون البعض . وعليه يجب حمل الإطلاق بانقسام النظر إلى الجلى ، والخفي . أما أن يكون أحد النظرين أبين في نفسه من النّظر الآخر ؛ فلا . وإن أطلق الجلاء والخفاء باعتبار ما حققناه ؛ فالمنازعة في اللفظ دون المعنى .
--> ( 1 ) في ب ( إن النظر ينقسم إلى جلى ، وخفي ) . انظر طوالع الأنوار ص 31 ، 32 . ( 2 ) وقد وضح إمام الحرمين هذا البعض بأنهم بعض المنتمين إلى الأصوليين ، وأسهب في الرد عليهم في الشامل ص 101 - 105 وما هنا قد يكون مختصرا لما أورده إمام الحرمين في الشامل . ( 3 ) في ب ( الجلى والخفي محتجا إلى ذلك ) . ( 4 ) في ب ( أبحاث ) . ( 5 ) في ب ( المحدث ) . ( 6 ) انظر ل 15 / أ .