سيف الدين الآمدي
110
أبكار الأفكار في أصول الدين
وأما أصحابنا : فالبنية المخصوصة عندهم غير متوسطة كما يأتي ؛ بل كل جزء من أجزاء بدن الإنسان إذا قام به إدراك أو علم ؛ فهو مدرك عالم به ، وهل ذلك مما يقوم بالقلب أو غيره ؟ فمما لا يجب عقلا ، ولا يمتنع . لولا دلّ الشّرع عليه بقوله - تعالى - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ « 1 » . وقوله : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ / آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها « 2 » . وقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 3 » . وأما الكلام على وجود النّفس وكونها مدركة للكليات دون الجزئيات : فسيأتي فيما بعد . وأما أنّ العلم غير باق : فمما اختلف فيه أيضا : والّذي عليه إجماع المعتزلة : بقاء العلوم الضّرورية والمكتسبة التي لا يتعلق بها التكليف . وأما العلوم المكتسبة المكلف بها : فقد قال الجبّائى « 4 » : إنها غير باقية . وإلا كان المكلف بها حال بقائها غير مطيع ، ولا عاص ، ولا مثاب ، ولا معاقب ؛ مع تحقق التكليف ؛ وهو خلاف أصلهم في لزوم « 5 » الثواب والعقاب عل ما كلف به بتقدير الفعل أو الترك ، حتى إنه طرد ذلك في كل عرض مقدور يتعلق به التكليف . وخالفه أبو هاشم في ذلك . وأوجب بقاء العلوم مطلقا . وأما أصحابنا : فإنهم قضوا باستحالة بقائها لكونها أعراضا . وسيأتي تحقيق ذلك في استحالة بقاء الأعراض إن شاء الله تعالى « 6 » .
--> ( 1 ) سورة ق 50 / 37 . ( 2 ) سورة الحج 22 / 46 . ( 3 ) سورة محمد 47 / 24 . ( 4 ) محمد بن عبد الوهّاب بن سلام بن خالد الجبّائى ، البصري ، المعتزلي ( أبو علي ) متكلم ، مفسر ولد بجبّى بخوزستان سنة 235 ه وإليه تنسب الطائفة الجبائية . كان أستاذا للأشعرى قبل تحوله عن مذهب المعتزلة . توفى بالبصرة سنة 303 ه . ( وفيات الأعيان 3 / 398 ، البداية والنهاية 11 / 125 ، الاعلام 7 / 136 ) . ( 5 ) في ب ( ان ) . ( 6 ) انظر الجزء الثاني من الأبكار ل 44 / ب .