الغزالي

31

الاقتصاد في الاعتقاد

بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات . فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات ، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه . فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت أصلا ، إذ هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت . والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم ، وكل محاذ فإما أصغر منه وإما أكبر وإما مساو ، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار ، وذلك المقدار يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار ومخصص . فإن قيل : لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا . قلنا : العرض ليس في جهة بنفسه ، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر بالتبعية . فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر ، ولا يتصور أن يكون في عشرين ، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر ، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية . فإن قيل : فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق ، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعا وطبعا ، وما باله صلى اللّه عليه وسلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين اللّه فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة ؟ « 1 » فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل : إن لم يكن اللّه تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره ، وما بالنا نستقبله في الصلاة ؟ وإن لم يكن في الأرض ، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود ؟ وهذا هذيان . بل يقال : قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة ، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع

--> ( 1 ) رواه الامام مالك . والحديث صحيح