الغزالي
27
الاقتصاد في الاعتقاد
القدرة ، فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فإنها أزلية ، وإنما فعله نفي وجود الذات ، ونفي وجود الذات ليس شيئا ، فإذا ما فعل شيئا . وإذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر البتة ، فبقي كما كان ولم يفعل شيئا . وباطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد ان فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة القديم ، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود القديم . ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم ولم يعدمه وقد أعدمه الآن ، وباطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده ، فان الشرط إن كان حادثا استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث ، وإن كان قديما فالكلام في استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه . فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر والأعراض ؟ قلنا : أما الأعراض فبأنفسها ، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء . ويفهم المذهب فيه بأن يفرض في الحركة ، فان الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة لا توصف بأنها حركات إلّا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام ، فإنها إن فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة ، ولا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل معها العدم عقيب الوجود . وهذا يفهم في الحركة بغير برهان . وأما الألوان وسائر الأعراض ، فإنما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي لاستحال عدمه بالقدرة وبالضد كما سبق في القديم ، ومثل هذا العدم محال في حق اللّه تعالى فإنا بينا قدمه أولا واستمرار وجوده فيما لم يزل ، فلم يكن من ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه . كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن تفنى عقيب الوجود . وأما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق