الغزالي

15

الاقتصاد في الاعتقاد

فان قلت غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين وأنهم عبروا بالنظر عما ذا ، فاعلم أنك إذا سمعت واحدا يجد النظر بالفكر ، وآخر بالطلب ، وآخر بالفكر الذي هو يطلب به ، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه . والعجب ممن لا يتفطن هذا ويفرض الكلام في حد النظر . مسألة خلافية : ويستدل بصحة واحد من الحدود وليس يدري أن حظ المعنى المعقول من هذه الأمور لا خلاف فيه وأن الاصطلاح لا معنى للخلاف فيه . وإذا أنت أمعنت النظر واهتديت السبيل عرفت قطعا أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال من طلب المعاني من الألفاظ ، ولقد كان من حقه ان يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الالفاظ ثانيا ، ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات . ولكن من حرم التوفيق استدبر الطريق ، ونكل عن التحقيق . فإن قلت : إني لا استريب في لزوم صحة الدعوى من هذين الأصلين إذا أقر الخصم بهما على هذا الوجه ، ولكن من أين يجب على الخصم الاقرار بهما ومن أين تقتضي هذه الأحوال المسلمة الواجبة التسليم ؟ فاعلم أن لها مدارك شتى ولكن الذي نستعمله في هذا الكتاب نجتهد أن لا يعلم ستة : الأول منها : الحسيات ، أعني المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة ، مثاله أنّا إذا قلنا مثلا كل حادث فله سبب ، وفي العالم حوادث فلا بدلها من سبب . فقولنا : في العالم حوادث ، أصل واحد يجب الإقرار به ، فإنه يدرك بالمشاهدة الظاهرة حدوث أشخاص الحيوانات والنباتات والغيوم والأمطار ومن الأعراض الأصوات والألوان . وان تخيل أنها منتقلة ، فالانتقال حادث ونحن لم ندع إلا حادثا ولم نعين أن ذلك الحادث جوهر أو عرض أو انتقال أو غيره . وكذلك يعلم بالمشاهدة الباطنة حدوث الآلام والأفراح والغموم في قلبه فلا يمكنه انكاره .