الغزالي

12

الاقتصاد في الاعتقاد

يحتاج إليه الأصحاء . والمرضى أقل عددا بالإضافة إليهم ، ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين . فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين . ويدلك على أن الفقه أهم العلوم اشتغال الصحابة رضي اللّه عنهم بالبحث عنه في مشاورتهم ومفاوضاتهم . ولا يغرنك ما يهول به من يعظم صناعة الكلام من أنه الأصل والفقه فرع له فإنها كلمة حق ولكنها غير نافعة في هذا المقام ، فإن الأصل هو الاعتقاد الصحيح والتصديق الجزم وذلك حاصل بالتقليد والحاجة إلى البرهان ودقائق الجدل نادرة . والطبيب أيضا قد يلبس فيقول وجودك ثم وجودك ثم وجود بدنك موقوف على صناعتي وحياتك منوطة بي فالحياة والصحة أولا ثم الاشتغال بالدين ثانيا . ولكن لا يخفى ما تحت هذا الكلام من التمويه وقد نبهنا عليه . التمهيد الرابع ( في بيان مناهج الأدلة التي انتهجناها في هذا الكتاب ) اعلم أن مناهج الأدلة متشعبة وقد أوردنا بعضها في كتاب محك النظر وأشبعنا القول فيها في كتاب معيار العلم . ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق المتغلقة والمسالك الغامضة قصدا للايضاح وميلا إلى الإيجاز واجتنابا للتطويل . ونقتصر على ثلاثة مناهج : المنهج الأول : السير والتقسيم وهو ان نحصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم منه ثبوت الثاني ، كقولنا : العالم إما حادث وإما قديم ، ومحال أن يكون قديما فيلزم منه لا محالة أن يكون حادثا أنه حادث وهذا اللازم هو مطلوبنا وهو علم مقصود استفدناه من علمين آخرين أحدهما قولنا : العالم إما قديم أو حادث فإن الحكم بهذا الانحصار علم .