الغزالي
4
الاقتصاد في الاعتقاد
صلى اللّه عليه وسلم ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر ، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر ، وما استضاء بنور الشرع ولا استبصر ؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي والحصر ؟ أو لا يعلم أن العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر ؟ هيهات قد خاب على القطع والبتات وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات . فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء . ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء . فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء . المستغني إذا استغني بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء . فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن ، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان ، فلا فرق بينه وبين العميان . فالعقل مع الشرع نور على نور ، والملاحظ بالعين العور لأحدهما على الخصوص متدل بحبل غرور . وسيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد عقائد أهل السنة ، المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة ، انه لم يستأثر بالتوفيق للجمع بين الشرع والتحقيق فريق سوى هذا الفريق . فاشكر اللّه تعالى على اقتفائك لآثارهم وانخراطك في سلك نظامهم وعيارهم واختلاطك بفرقتهم ؛ فعساك أن تحشر يوم القيامة في زمرتهم . نسأل اللّه تعالى أن يصفي أسرارنا عن كدورات الضلال ، ويغمرها بنور الحقيقة ، وأن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل ، وينطقها بالحق والحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة . باب ولنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب ، وتقسيم المقدمات والفصول والأبواب . أما اسم الكتاب فهو « الاقتصاد في الاعتقاد » . وأما ترتيبه فهو مشتمل على أربع تمهيدات تجري مجرى التوطئة والمقدمات ، وعلى أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد والغايات .