المقداد السيوري

91

الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد

--> والّذي يدلّ على أنّ لفظة « أنّما » تفيد التّخصيص أنّ القائل إذا قال : إنّما لك عندي درهم ، فهم منه نفي ما زاد عليه ، وجرى مجرى : ليس لك عندي إلّا درهم . وكذلك إذا قالوا : إنّما النّحاة المدقّقون البصريّون ، فهم نفي التّدقيق عن غيرهم . وكذلك إذا قالوا : إنّما السّخاء سخاء حاتم ، فهم نفي السّخاء عن غيره ، وقد قال الأعشى : ولست بالأكثر منهم حصى * وإنّما العزّة للكاثر وأراد نفي العزّة عمّن ليس بكاثر ، وقد روي عن النّبيّ ( ص ) : ( إنّما الماء من الماء ) واحتجّ بذلك الأنصار في نفي الماء من غير الماء ، وادّعى من خالفهم نسخ الخبر ، فعلم أنّهم فهموا منه التخصيص ، والّا كانوا يقولون : « إِنَّما » * لا تفيد الاختصاص بوجوب الماء من الماء . والّذي يدلّ على أنّ الولاية في الآية مختصّة ، أنّه قال : « وَلِيُّكُمُ » * فخاطب به جميع المؤمنين جملتهم ودخل في ذلك النّبيّ وغيره ، ثمّ قال : « وَرَسُولُهُ » * فأخرج النّبي - عليه وآله السّلام - من جملتهم ، لكونهم مضافين إلى ولايته ، فلمّا قال : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » * وجب أيضا أنّ الّذي خوطب بالآية غير الّذي جعلت له الولاية ، وإلّا أدّى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه ، وأدّى إلى أن يكون كلّ واحد منهم وليّ نفسه ، وذلك محال . وإذا ثبت أنّ المراد في الآية ما ذكرناه ، والّذي يدلّ على أنّ أمير المؤمنين ( ع ) هو المختصّ بها أشياء : منها : أنّ كلّ من قال : إنّ معنى الوليّ في الآية معنى الأحقّ ، قال : إنّه هو المخصوص به ، ومن خالف في اختصاص الآية فجعل الآية عامّة في المؤمنين ، وذلك قد أبطلناه . ومنها : أنّ النّقل حاصل من الطّائفتين المختلفتين والفرقتين المتباينتين من الشّيعة وأصحاب الحديث انّ الآية خاصّة في أمير المؤمنين ( ع ) . ومنها : أنّ اللّه تعالى وصف الّذين آمنوا بصفات ليست موجودة إلّا فيه ، لأنّه قال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) فبيّن أنّ المعنيّ بالآية هو الّذي آتى الزّكاة في حال الرّكوع ، وأجمعت الامّة على أنّه لم يؤت أحد الزّكاة في هذه الحال غير أمير المؤمنين ( ع ) . وليس لأحد أن يقول : انّ قوله : ( وهم راكعون ) ليس هو حالا لإيتاء الزّكاة ، بل إنّما المراد به أنّ صفتهم إيتاء الزّكاة ، لأنّ ذلك خلاف للّغة ، ألا ترى أنّ القائل إذا قال : لقيت فلانا وهو راكب ، لم يفهم منه إلّا لقاؤه في حال الرّكوب ، ولم يفهم منه أنّ من شأنه الرّكوب . وإذا قال : رأيته وهو جالس ، أو جاءني وهو ماش ، لم يفهم من ذلك كلّه إلّا موافقة رؤيته في حال الجلوس أو مجيئه ماشيا . وإذا ثبت ذلك ، وجب أن يكون حكم الآية أيضا هذا الحكم . فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى : ( وَهُمْ راكِعُونَ ) أي : يؤتون الزّكاة متواضعين ، كما قال الشّاعر :