ابو القاسم الكوفي
214
الاستغاثة في بدع الثلاثة
قال بزعمهم : إن اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فليس يخلو ذلك من أن يكون أراد بقوله : اعملوا ما شئتم ، من أعمال الشر ، أو قال : اعملوا ما شئتم من اعمال الخير والبر ، فان قالوا : أراد اعمال الخير والبر ، قيل لهم : هذا غير مستنكر أن يكون اللّه قد غفر لهم ما كان منهم من كراهية الجهاد في هذه المواطن ، كما أخبر عنهم في قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ « 1 » إلى آخر القصة ، فهذه أحوال كلها مذمومة من أهل بدر ، فجائز أن يكون اللّه قد غفر لهم من بعد بأفعال جميلة ظهرت منهم ، ثم قال لهم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) : استأنفوا عمل الخير بالطاعة وحسن العمل والتسليم ، وان كان هذا فيهم كذلك فليس هذا حالا يوجب لأهل بدر كلهم النجاة ، بل يوجب لمن استأنف منهم أعمال الخير بالمسارعة إلى الطاعة ، والانقياد بالرضى ، والتسليم إلى ما قد وعدهم اللّه من المغفرة ، والعفو عن الذين وصفهم فيه بالأعمال المذمومة ، ومن قصر في ذلك وجرى إلى خلاف ما يرتضيه اللّه منه ، حملة من بعد معانيه مما يلزم غيره من المسلمين . وان قالوا : إنه أراد بقوله : اعملوا ما شئتم ، من الأعمال السيئة ، كان قائل هذا جاهلا متخرصا ، لأن هذا يوجب إباحة المحارم لأهل بدر ، والتحليل لهم ما حرمه اللّه على غيرهم في الشريعة ، من الزنى ، والربا ، وشرب الخمر ، وقتل النفس التي حرم اللّه قتلها ، وما شابه ذلك من المحرمات ، من أكل الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، إلى غير ذلك من المحرمات والمحظورات في الدين ، لان في خبرهم أنه قال
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية : 5 .