ابن قتيبة الدينوري
31
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
قد يكون بمعنى المنتظر غير أنه يقال انا لك ناظر أي انا لك منتظر ولا يقال انا أليك ناظر أي أليك منتظر الا ان يريد نظر العين والله يقول وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ولم يقل لربها ناظرة فيحتمل ما تأولوا فاما دفعهم نظر العين بقول الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ « 1 » وبقول موسى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي « 2 » فإنه أراد لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ في الدنيا وأراد لَنْ تَرانِي في الدنيا لأنه تعالى احتجب عن جميع خلقه في الدنيا وتجلى لهم يوم الحساب ويوم الجزاء والقصاص فيرونه كما يرى القمر في ليلة البدر لا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر ولم يقع التشبيه بكما على حالات القمر من التدوير والمسير والحدود وغير ذلك « 3 » وانما وقع التشبيه بها في أن ادراكه يوم القيامة كادراكنا القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك كما لا يختلف في هذا والعرب تضرب بالقمر المثل في الشهرة والظهور وقال ذو الرمة : فقد بهرت فما تخفى على أحد * إلا على أحد لا يعرف القمرا ويقولون هذا أبين من الشمس ومن فلق الصبح واشهر من القمر وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاض على الكتاب ومفسر له والخبر في الرؤية ليس من الأخبار التي يدفعها الا جاهل أو معاند ظالم لتتابع الروايات به من الجهات الكثيرة عن الثقات فلما قال الله عز وجل لا
--> ( 1 ) الانعام 103 ( 2 ) الأعراف 143 ( 3 ) لأنها حالات حادثة تحل بالقمر ولا يحل تشبيه رؤية الله برؤية القمر باعتبار تلك الحالات لمنافاتها للألوهية باستلزامها الحدوث ، ونقلة الكواكب والشمس والقمر دليل على خلقها وبرهان على حدوثها وبذلك حاج إبراهيم قومه الذين كانوا يعبدون تلك الاجرام كما ذكره ابن حزم وغيره واستحالة حلول الحوادث وقيامها به هي حجة ملة إبراهيم عليه السلام لقمع الصابئة والمشبهة قال عز وجل وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ وقد أحسن المصنف في بيان وجه التشبيه في « كما ترون القمر » فيندفع به كل وهم للمشبهة في الرؤية .