ابن قتيبة الدينوري
23
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
العالم ولا نقول بعلم كأنهم لم يسمعوا اجماع الناس على أن يقولوا « أسألك عفوك » وان يقولوا « يعفو بحلم ويعاقب بقدرة » والقدير هو ذو القدرة والعافي هو ذو العفو والجليل هو ذو الجلال والعليم هو ذو العلم فان زعموا ان هذا مجاز قيل لهم ما تقولون في قول القائل غفر الله لك وعفا عنك وحلم الله عنك أمجاز هو أم حقيقة ؟ فإن قالوا هو مجاز فالله لا يغفر لأحد ولا يعفو عن أحد ولا يحلم عن أحد على الحقيقة ولن يركبوا هذه وان قالوا هو حقيقة فقد وجب في المصدر « 1 » ما وجب في الصدر لأنا نقول غفر الله مغفرة وعفا عفوا وحلم حلما فمن المحال ان يكون واحد حقيقة والآخر مجازا وقال الله إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 2 » وأجمع الناس على أن الحول والقوة لله والحول الحيلة وقالوا في سَمِيعٌ بَصِيرٌ هما سواء ليس في سميع من المعنى إلا ما في بصير ولا فيهما الا معنى عليم وقد سمع الله قول اليهود إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ « 3 » حين قالوه وعلمه قبل ان يقولوه فهل يجوز لأحد ان يقول إن الله سمعه قبل ان يقولوه وكذلك قول المجادلة في زوجها قد سمع الله جدالها وسمع محاورتها للنبي صلى الله عليه وسلم حين جادلته وحاورته وعلمه قبل ان تجادل وتحاور به فهل لأحد ان يقول إن الله قد سمعه قبل ان يكون « 4 »
--> ( 1 ) وليس المعنى المصدري موضع نزاع القوم ، وحشد الكلام فيه حشد للجنود إلى غير موضع القتال ، ولابن حزم مناقشة حادة مع الفريقين في هذه المسألة . ( 2 ) الأعراف 183 ( 3 ) آل عمران 181 ( 4 ) بيد أن ما أورده في السمع وارد في العلم بالجزئيات المتغيرة المتجددة فالإشكال مشترك الورود وطريق دفعه فيهما على حد سواء فجهم بن صفوان يقول بنفي العلم بالجزئيات المتغيرة والسمع ونحوهما زعما منه استلزامها للتغير في الذات العلية وقد جلت عن التغير وحلول الحوادث فيها . ومحمد بن كرام يقول باثبات ذلك كله تجويزا منه لحلول الحوادث في الذات العلية وقيامها بها قياسا لغائب صفات الله بشاهد صفات الخلق ، وأهل السنة من النظار قالوا بأن العلم والسمع وسائر الصفات الثبوتية قديمة لها تعلقات لايزالية لا تستلزم التغير في الذات ولا حلول الحوادث فيها المستحيلين في شأنه سبحانه بنص حجة الله التي آتاها إبراهيم في محاجته مع الصابئين عبدة الاجرام العلوية وان أباها ورثة نحلتهم ، والمعتزلة يرجعون السمع -