ابن قتيبة الدينوري
20
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ « 1 » وقرأ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً « 2 » بكسر إنما الأولى وفتح الثانية يريد لا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم فحرف المعنى عن جهته ونقله عن سننه وجعل الاملاء للكفار من الله انما هو لخير يريده بهم . وقد حمل بعضهم نفسه على أن قرأ لِيَزْدادُوا إِيماناً وألحقها في بعض المصاحف طمعا في أن تبقى على الدهر ويجعلها الناس وجها « 3 » وكيف له ما قدّر : والله يقول إلى جنبها وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ « 4 » . [ إفراط قوم من مثبتي القدر في معاكستهم ووقوعهم في الجبر المحض كتفريط هؤلاء في النفي ] ولما رأى قوم من أهل الاثبات إفراط هؤلاء في القدر وكثر بينهم التنازع حملهم البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلو هم بغلو وعارضوا إفراطهم بافراط فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئا على الحقيقة ولا يفعل شيئا على الصحة « 5 » وذهبوا إلى أن كل فعل ينسب إليه فإنما ينسب إليه على المجاز كما يقال في الموات مال الحائط وإنما يراد أميل وذهب البرد وانما ذهب به وكلا الفريقين غالط وعن سواء الحق حائد ، ولو كان الأمر على ما قالوا لم يكن
--> ( 1 ) ص 46 ( 2 ) آل عمران 178 ( 3 ) ليت المصنف عيّن مقترف هذا وذاك لأن ذلك امر لا يصدر من مسلم . ( 4 ) البقرة 90 ( 5 ) يريد بهم أهل الحديث الذين خاضوا في مسألة القدر من غير كفاءة فيهم للنظر حتى استعصت عليهم طريقة الجمع بين الآيات والأحاديث الواردة في تلك المسألة واضطربوا في عموم علم الله وشمول قدرته وسبق الكلمة والتقدير فوقعوا في الجبر المحض وأصبحوا جهميين بمعنى الكلمة مع أن جهما من أبغض خلق الله إليهم حتى يرمون جميع خصومهم من أهل الحق وغير هم بالجهمية ، كما أداهم الخوض في مسائل الصفات إلى التشبيه وهذا من المضحك المبكي وقد صدق فيهم قول أحد العلماء المعاصرين لابن قتيبة : ما في البريّة أخزى عند فاطرها * ممّن يقول بإجبار وتشبيه ومن طالع كتاب شرح السنة للالكائي ومؤلفات من تقدمه إلى عهد المؤلف يجد فيها من النقول ما يستدل به على مبلغ علمهم في التوحيد .