أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي
63
تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )
من المشتركين في التدبير عليه بخبره ، فطاروا بأجنحة الركض على أثره ، ووضعوا فيه السيوف والدبابيس حتى أثخنوه ضربا وحطما ، ورضّا وقصما « 1 » ، وأشفق من كان في مسايرته على أنفسهم ، فخذلوه وأهملوه ، فكان مثله كما قيل : كليه وجرّيه ضباع « 2 » وأبشري * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره وترك في الشارع صريعا ، يمجّ دما نجيعا ، وعندهم أنه [ 31 أ ] قتيل ، وأن ليس للحياة إليه سبيل ، ونقل كما هو إلى باغ « 3 » قريب من مصرعه ليراعى ما يحدث من الرأي في غده . فلما غشيه موج الظلام ، وهبّ عليه رخاء السّحر أنّ أنّة سمعها الباغبان « 4 » فبادر إليه ، فإذا به رمق قلق ، ونفس مختنق ، فسعى إلى دار السلطان مخبرا بثبات حسّه ، واضطرابه على نفسه ، حتى أمر به فنقل إلى القهندز « 5 » . وألزم الأطباء المثابرة عليه طمعا في انتعاشه ، فاستصعب داؤه على الدواء ، وقضى الله على عمره بالانقضاء ، فمضى لسبيله عظيم القدر والخطر ، كريم الورد والصدر ، عديم المثل ، في سعة الرحب ، فقيد النظير في الفضل الغزير ، لم يرو « 6 » في كتب الأولين أن أحدا من الوزراء اتسعت همته لمشاطرته على مروءته ، ومنازعته فضل أفضاله وفتوته ، سماحة كالغيث يقذف بالوبل ، أو الريح تعصف بالرمل ، وسياسة خفتت لها جنادب الليل ، وغصّت بها مشاعب السيل .
--> ( 1 ) وردت في الأصل ، وفي ب : قضما ، والتصحيح من ر . ( 2 ) وردت في ب : جعار ، وبالوجهين يستقيم المعنى . ( 3 ) كلمة فارسية تعني : بستان ، روضة ، حديقة . التونجي - المعجم الذهبي ، ص 98 . ( 4 ) كلمة فارسية تعني : البستاني ، حارس الحديقة . التونجي - المعجم الذهبي ، ص 98 . ( 5 ) تعريب ( كهندز ) وهو القلعة ، ولا تطلق إلا على القلعة القديمة التي تكون وسط المدينة . وقلما تخلو مدينة من مدن المشرق الإسلامي من وجود القهندز الذي يشكل مقر الأمير ، ومنه يدير المدينة . انظر : ياقوت - معجم البلدان ، ج 4 ، ص 419 . ( 6 ) وردت في النسخ : يروا ، والأصح ما أثبتناه .