أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

381

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

وإكرامه ، وإظهار التلطف « 1 » عليه في مرامه ، ما اقتضته جلالة من أصدره ، ومساعدة القدر له في كل ما قدّره . وأقام عليه منقولا من مجلس الإيجاب إلى متوسد الإكرام ، ومن راحة الإشبال إلى عاتق الإكبار . غير أن بعيد طلوعه عليه وافق [ 208 أ ] منه علة أحدثها سوء المزاح بين ألف الراحة والراح ، فأعياه تنجّز المراد على العارض العائق . وقد كان فخر الملك « 2 » مقيما ببغداد ، وهو الوزير والنصير ومن إليه الرأي والتدبير ، فجشم القاضي إلى ما قبله ليتفاوضا فيما يوجب صرف الرأي إليه ، وتأريب العقد عليه ، فاتفق مع وصوله استئثار قضاء الله تعالى ببهاء الدولة ، وانتقال روحه إلى جوار ربه . وبايع الناس ولده الأمير أبا شجاع ، ولقّبه القادر بالله أمير المؤمنين ، بسلطان الدولة . واستتبّ له طرق الأمر ، واعتدل عليه عمود الملك ، وجرى له الطير بالإقبال وحسن الفأل . ولما عاد القاضي إلى ما قبله ، لم يملك له من ذاته جوابا يغنيه ، ولا حوارا يشفيه ، إذ كان دونه رسولا إلى أبيه ، فصرفه محملا من رسالته في وراثة الود ، والوفاء بسالف العهد ، واشتراء الخلوص بقاصية الجهد ، ما اقتضاه حكم الابتداء بغرس الوداد ، واستثمار الوفاء على ظهر البعاد . وقد كان الأمير أبو الفوارس أخو الأمير سلطان الدولة مقيما بكرمان ، فشجر بينهما خلاف اقتضى سلطان الدولة تجريد الجيوش لقصده ، واستصفاء تلك النواحي واستخلاصها من يده ؛ فنهض هو لمقاومتهم ، وكف [ 208 ] عاديتهم . وأوقدوا بينهم حربا ، أفنت الرجال أكلا وشربا ، واجتاحت الأرواح طعنا وضربا . واستمرت الكشفة بأتباع الأمير أبي الفوارس فانقلبوا منهزمين ، وأقبل هو نحو سجستان يؤم حضرة السلطان يمين الدولة وأمين الملة ممتطيا رجاءه ، ومستنهضا كرمه لردّه وراءه . وقد كان أنهي إلى السلطان خبر إقباله ؛ فأمر أبا منصور نصر بن إسحاق النائب عن الأمير أبي المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين بخدمة استقباله ، وتكلّف الواجب من أنزاله ، وأنزال من

--> ( 1 ) وردت في ب : التطفل . ( 2 ) وزير الوزراء محمد بن علي بن خلف . انظر : ص 316 من هذا الكتاب ، هامش ( 1 ) .