أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي
356
تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )
شأنه ، وهو يأبى سوى اللجاج في إلقاء القول عن حدة المزاج ، حكما من الله تعالى لم يسع ردّه ، وقضاء سابقا أعيا العالمين صدّه . وما زالت هذه حاله لزوما للصدر ، على ما به من ضعة القدر ، إلى أن ركب بنفسه إلى قلعة غزنة مستروحا بزعمه إلى الاعتقال عما تولاه ، ومتسمحا بجملة ما حواه واقتناه ، فلم يسمع بمثله رجلا يشتري الحبس اختيارا ، ويستقبل صرف الزمان بدارا . وغاظ السلطان ما أتاه ، فاستبذله الخطّ بغرامة ما جناه على أمواله ورعاياه « 1 » ، فبذل خطه بمائة ألف دينار . ثم لم يزل يستدّر « 2 » إلى أن عرض حال الفاقة « 3 » ، وعدم الطاقة . ثم استحلفه السلطان بحياة رأسه على ظاهر إفلاسه ، [ 194 أ ] وعلى إغلاق « 4 » دمه إن وجد له على الطلب مال مفرقا ومجمعا ، ومدفونا ومستودعا . وبقي على جملته « 5 » ينتابه أولاده معفى عن الإرهاق والتعنيف ، مصونا عن التحامل والتكليف ، إلى أن ظهر على ما ذكر له مال عند بعض التجار ببلخ وديعة فأخذوه ، وأمر بوضع الدهق عليه لا ستصفائه ، واستخراج ما وقاه بنفسه وذمائه ، وما بقي من رمق جاهه ومائه . واتفقت للسلطان غزوة حالت بينه وبين مشاهدة حاله ، واستبراء ما يصدق أو يكذب من مقاله ، والدهق يستمر به على الدوام ، وينال منه يوما بيوم ، حتى أتاه أجله ، وحاق به ما كان يستعجله ، وذلك في سنة أربع وأربعمائة . ولما عاد السلطان وراءه ، ساءه ما سمع فيه ، وهيهات أين من المساءة روح مطموسة ، ونفس بين أطباق الثرى مرموسة ؟ ! كذلك من آثر « 6 » المخلوق « 7 » على الخالق ، ولم يعتبر بالماضين في الزمن السابق .
--> ( 1 ) أي استكتبه صكا بما أخذه . ( 2 ) أي لم يزل السلطان يستزيد . ( 3 ) أي أصبح فقيرا . ( 4 ) وردت في الأصل : اغلاقه . والغلق : الهلاك . ابن منظور - لسان العرب ، مج 10 ، ص 293 ( غلق ) . والمقصود إباحة دمه . ( 5 ) وردت في ب : جملة . ( 6 ) وردت في ب : آثار . ( 7 ) وردت في الأصل : الملحوق .