أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

354

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

وقضى الله بأن يكون ما يليه حتى يعترف خراسان « 1 » بأنه عذيقه المرجّب « 2 » وجذيله المحكّك « 3 » ، يتتبع ما يفسده الغير بالاستصلاح ، ويستدرك ما أحرضته أيدي الاجتياح ، ويداوي كل حال بدوائه ، ويرد غائر الماء إلى لحائه ، فأجرى الوزير أبو العباس الأمور مجاريها « 4 » على جملة لم يعرف فيها غير الجباية والاستدرار ، وقصد التوفير دون الاستعمار « 5 » ، حتى جبى مالا عظيما ، سنين عدة . إذ كانت خراسان بعد مكسوعة بأغبارها « 6 » ، لم تنتزف منها دواعي اللبن ، ولم ينتزع عنها كواسي السمن . فلما احتلبها انتزافا ، واستنفد ما في ضرعها إسرافا ، ومن قبل ما قد حال بينها وبين خصب المراتع ، وبرد الموارد والمشارع ، وضعت « 7 » له ما على ظهورها من فضول دسم ، وسمحت بما وراء عظامها من نقي مقتسم ، حتى صارت من فرط الهزال والعجف ، كالأهلة المحنيّة ، بل الأخلّة « 8 » المبريّة . وتداعى بالخراب معظم الضياع ، ووقعت القني بين القصور والانقطاع ، وشرّد في البلاد أكثر الأكرة والزرّاع . فعندها أخذ الجار بذنب [ 193 أ ] الجار ، وألزم القارّ مؤونة الفارّ ، حتى تمت البلوى ، وعمت الشكوى ، وشملت خراسان نوائب البؤس ، وذهبت حرائب

--> ( 1 ) أي أهل خراسان . ( 2 ) عذيق : تصغير عذق وهو النخلة ، وهذا تصغير تعظيم . والترجيب أن تدعم النخلة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها . ومنه حديث السقيفة : أنا عذيقها المرجّب . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 412 ( رجب ) ، مج 10 ، ص 238 ( عذق ) . ( 3 ) الجذيل : أصل الشجرة تحتك به الإبل فتشتفي به من جربها . ومنه الجذل : العود الذي ينصب للإبل الجربى . ومنه حديث السقيفة : أنا جذيلها المحكك ، أي جرّبتني الأمور ، ولي رأي وعلم يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربى بهذا الجذل . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 107 ( جذل ) . وانظر : الأصمعي - كتاب الأمثال ، ص 67 . ( 4 ) وردت في ب : على مجاريها . ( 5 ) أي عمارة البلاد . ( 6 ) كسع الناقة بغبرها : ترك في ضرعها بقية من اللبن . وغبر اللبن : بقيته ، وجمعه أغبار . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 5 ، ص 3 ( غبر ) ، مج 8 ، ص 310 ( كسع ) . ( 7 ) خراسان . ( 8 ) جمع خلال وهو العود الذي يتخلل به . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 214 ( خلل ) .